معناها مغاير لمعنى ما قبلها ، وغير داخل فيه ، مع ما بينهما من الملابسة.
الثالث : أن تكون الثانية بيانا للأولى ، وذلك بأن تنزّل منها منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح ، والمقتضي للتبيين أن يكون في الأولى نوع خفاء ، مع اقتضاء إزالته ، كقوله تعالى : (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) (١٢٠) [طه : الآية ١٢٠] فصل جملة «قال» عما قبلها ؛ لكونها تفسيرا وتبيينا ، ووزانه وزان عمر في قوله :
أقسم بالله أبو حفص عمر (١)
وأما قوله تعالى : (ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف : الآية ٣١] فيحتمل التبيين والتأكيد.
وأما التأكيد فلأنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا ، ولأنه إذا قيل في العرف لإنسان (ما هذا بَشَراً) حال تعظيم له ، وتعجّب مما يشاهد منه ، من حسن خلق أو خلق ، كان الغرض أنه ملك بطريق الكناية.
فإن قيل : هلّا نزّلتم الثانية منزلة بدل الكل من متبوعه في بعض الصور ومنزلة النعت من متبوعه في بعض.
قلنا : لأن بدل الكل لا ينفصل عن التأكيد إلا بأن لفظه غير لفظ متبوعه ، وأنه مقصود بالنسبة دون متبوعه ، بخلاف التأكيد ، والنعت لا ينفصل عن عطف البيان إلا بأنه يدل على بعض أحواله متبوعه لا عليه ، عطف البيان بالعكس ، وهذه كلها اعتبارات لا يتحقق شيء منها فيما نحن بصدده.
وأما كون الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى ؛ فلكون عطفها عليها موهما لعطفها على غيرها ، ويسمى الفصل لذلك قطعا ، مثاله قول الشاعر :
__________________
(١) الرجز لرؤبة في شرح المفصل ٣ / ٧١ ، وليس في ديوانه ، ولا يمكن أن يكون رؤبة هو الذي قاله لعمر بن الخطاب ، ذلك أنه توفي سنة ١٤٥ ه ، ولم يعتبره أحد من التابعين فضلا عن المخضرمين ، والرجز لعبد الله بن كسيبة أو لأعرابي في خزانة الأدب ٥ / ١٥٤ ، ولأعرابي في شرح التصريح ١ / ١٢١ ، والمقاصد النحوية ٤ / ١١٥ ، ولسان العرب (نقب) ، (فجر) ، وتاج العروس (نقب) ، (فجر) ، وتهذيب اللغة ١ / ٥٠ ، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١ / ١٢٨ ، وشرح الأشموني ١ / ٥٩ ، وشرح شذور الذهب ص ٥٦١ ، وشرح ابن عقيل ص ٤٨٩ ، ومعاهد التنصيص ١ / ٢٧٩ ، وأساس البلاغة (نقب) ، وديوان الأدب ٢ / ١١١ ، وكتاب العين ٨ / ٣٠٧ ، ويليه :
|
ما مسها من نقب ولا دبر |
|
فاغفر له اللهم إن كان فجر |
