كأنه هداية محضة ، وهذا معنى قوله : (ذلِكَ الْكِتابُ) [البقرة : الآية ٢] لأن معناه كما مرّ : الكتاب الكامل ، والمراد بكماله كماله في الهداية ؛ لأن الكتب السماويّة بحسبها تتفاوت في درجات الكمال وكذا قوله تعالى : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٦) [البقرة : الآية ٦] ، فإن معنى قوله : (لا يُؤْمِنُونَ) [النّساء : الآية ٦٥] معنى ما قبله ، وكذا ما بعده تأكيد ثان ؛ لأن عدم التفاوت بين الإنذار وعدمه ؛ لا يصح إلا في حقّ من ليس له قلب يخلص إليه حقّ ، وسمع تدرك به حجة ، وبصر تثبت به عبرة ، ويجوز أن يكون (لا يُؤْمِنُونَ) [النّساء : الآية ٦٥] خبرا لإن ، فالجملة قبلها اعتراض.
الثاني : أن تكون الثانية بدلا من الأولى ، والمقتضي للإبدال كون الأولى غير وافية بتمام المراد بخلاف الثانية ، والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لنكتة ، ككونه مطلوبا في نفسه ، أو فظيعا ، أو عجيبا ، أو لطيفا ، وهو ضربان :
أحدهما : أن تنزّل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض من متبوعه ، كقوله تعالى : (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (١٣٤) [الشّعراء : الآيات ١٣٢ ـ ١٣٤] فإنه مسوق للتنبيه على نعم الله تعالى عند المخاطبين ، وقوله : (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (١٣٤) أوفى بتأديته مما قبله ؛ لدلالته عليها بالتفصيل ، من غير إحالة على علمهم مع كونهم معاندين ، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون ، ويحتمل الاستئناف.
وثانيهما : أن تنزّل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال ، من متبوعه ، كقوله تعالى : (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (٢١) [يس : الآيتان ٢٠ ، ٢١] فإن المراد به حمل المخاطبين على اتّباع قوله تعالى : (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (٢١) [يس : الآية ٢١] أوفى بتأدية ذلك؟ لأن معناه : لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ، وتربحون صحّة دينكم ، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة. وقول الشاعر :
|
أقول له : ارحل ، لا تقيمنّ عندنا |
|
وإلّا فكن في السّرّ والجهر مسلما (١) |
فإن المراد به كمال الكراهة لإقامته بسبب خلاف سرّه العلن ، وقوله : «لا تقيمنّ» عندنا أوفى بتأديته ؛ لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد ، بخلاف «ارحل» ووزان الثانية ـ من كل واحد من الآية والبيت وزان «حسنها» في قولك : أعجبتني الدار حسنها ؛ لأن
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ٥ / ٢٠٧ ، ٨ / ٤٦٣ ، وشرح الأشموني ٢ / ٤٤٠ ، وشرح التصريح ٢ / ١٦٢ ، وشرح شواهد المغني ٢ / ٨٣٩ ، ومجالس ثعلب ص ٩٦ ، ومعاهد التنصيص ١ / ٢٧٨ ، ومغني اللبيب ٢ / ٤٢٦ ، والمقاصد النحوية ٤ / ٢٠٠.
