وهنا نكتة شريفة يجب الاعتبار بها في قصّة مريم عليهاالسلام عند هزّ الجذع ، وهي معضودة بقصّة أيّوب عليهالسلام في بركة ركضه ، وبركات بعض الأنبياء فيما لمسوه وركضوه وضربوه. وذلك أنّ معظم أهل الإشارة رحمهمالله أصفقوا (١) على أن مريم عليهاالسلام كان مقامها في الغرفة أعلى ممّا كان عند النّخلة.
واستدلّوا على ذلك بما جاء في الخبر عن الرّزق الذي كان يجد عندها زكريا عليهالسلام ، إذ كان يجد عندها فاكهة الشّتاء في الصّيف ، وفاكهة الصّيف في الشتاء. فكان يأتيها بلا سبب ، فلمّا نظرت إلى عيسى عليهالسلام حين ولدته أحبّته (٢) ، فأمرت بالكسب في هزّ النخلة لكونها رجعت من جمع إلى تفريق.
وقالوا في هذا وأطنبوا (٣) ، وأنشدوا الأبيات المشهورة على قافية الباء ، إلى غير ذلك. وهذه رحمهمالله وهلة منهم وغفلة عن الأولى والأحرى في حقّ تلك الصّدّيقة.
وأوّل ما يعترض به عليهم أن يقال لهم : من أين يحكمون عليها أنّها لما رأت الولد تفرّقت بميل قلبها إليه؟.
وهذا لا يصح إلاّ بتوقيف ، والتّوقيف في ذلك معدوم ، وبم تردّون على من يدعي نقيض دعواكم؟ ويبرهن عن ذلك أنّ مريم عليهاالسلام ما كانت قطّ في مقام هو أعلى
__________________
(١) أصفقوا : أجمعوا.
(٢) روى القرطبي ١١ / ٩٦ قال : قال علماؤنا : لمّا كان قلبها فارغا فرّغ الله جارحتها عن النّصب (التّعب) فلمّا ولدت عيسى وتعلّق قلبها بحبّه ، واشتغل سرّها بحديثه وأمره وكلها إلى كسبها ، وردّها إلى العادة بالتعلّق بالأسباب في عباده.
(٣) سيذكر المؤلّف ـ رحمهالله ـ أنّ أول الشّعر الذي أنشدوه في مريم عليهاالسلام :
|
ألم تر أنّ الله أوحى لمريم |
|
إليك فهزّي الجذع تساقط الرّطب |
وانظر مقدّمة التحقيق.
