ولو قيل : إنّ هذا الحديث الصحيح المتقدّم لا ينظر إلى هذه الحالة ، بل هو بصدد أن يقول : إنّ شخصاً مهمّاً إذا قتل شخصاً غير مهم فإنّه يقتص منه لأنّ الدماء متكافئة ، فإنّنا نقول كدليل على عدم جواز تقديم الأهم من الرجال على غيرهم : إنّه لا يوجد تزاحم أصلاً ؛ وذلك لأنّ الأسبق إلى المستشفى عندما استعمل جهاز العلاج ـ والمفروض عدم وجود غيره ، وقد جاء الآخر الأهم ـ فهنا لا يتوجّه وجوب انقاذه على المسؤول مع عدم وجود جهاز يمكن للمريض الجديد استعماله ، لأنّ الوجوب الجديد إنّما يتوجّه إلى المسؤول إذا كان قادراً على انقاذه من دون أن يؤدّي إلى هلاك شخص آخر ، وهنا المفروض لا قدرة على انقاذه بهذه الصورة فلا تكليف على المسؤول اصلاً.
فإن قيل : إنّ ترك المريض الجديد بهذه الحالة حتى يموت هو قتل له وهو غير جائز.
قلنا : إنّ الأمر يدور بين ترك هذا المريض على حالته حتى يموت ـ وهو ما يسمّى بالقتل السلبي ـ وبين أن نأخذ الجهاز من المريض القديم وننقذ حياة المريض الجديد ، فيموت المريض القديم ، وهو ما يسمّى بالقتل الايجابي المستند الى فعل المسؤول الذي سحب الجهاز من المريض القديم ، وهو أكبر جرماً من الأول ، بل نقول : إنّ ترك المريض الجديد من دون جهاز حتى يموت لا يسمى قتلاً ، ولا يستند إلى المسؤول غير القادر على اسعاف المريض.
فعلى هذا أنّ من سبق إلى المستشفى واستعمل ادوات العلاج يكون هو الأولى بها وان كان فقيراً أو غير عالم أو غير ذي منصب حكومي أو كان شيخاً أو غير ذلك ، ولا يجوز تقديم غيره عليه إذا جاء متأخراً بحيث يؤدّي الى عدم علاج الأوّل فيموت ، فإنّ هذا يعتبر من القتل العمدي الذي هو حرام شرعاً.
![بحوث في الفقه المعاصر [ ج ٢ ] بحوث في الفقه المعاصر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F172_bohouth-fi-alfeqh-almoaaser-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
