فالأفعال الاختياريّة للعبد مستندة إلى امور ليس منها بقدرته واختياره ، لكن لا يخرج الفعل عن كونه اختياريّا ، فإنّ صفة القدرة والإرادة والعلم ليست في شيء من المواد باختيار الموصوف ، ألا ترى أنّ الله فاعل بالاختيار اتّفاقا مع أنّ قدرته ليست مستندة إلى اختياره ؛ إذ لو كانت مستندة إليه لتوقّف على العلم والقدرة والإرادة.
والمعتزلة لا ينكرون أنّ قدرة العبد وإرادته منه تعالى ، فلا يبقى النزاع بين الأشعريّ والمعتزلة إلّا في أنّ قدرة العبد مؤثّرة عند المعتزلة ، وغير مؤثّرة عند الأشعريّ.
وأنت خبير بأنّ هذا الفرق لا يؤثّر في دفع الشبهة الّتي تتبادر إلى الأوهام العامّيّة في ترتّب الثواب والعقاب على أفعال العباد ، فإنّه لو قال المعتزلة إنّ ترتّب الثواب والعقاب على أفعال العباد لكون قدرة العبد مؤثّرة فيها ، فللسائل أن يعود ويقول : هل القدرة والإرادة وتعلّقها بقدرة الله أو لا؟
ومعلوم أنّ المعتزلة لا ينكرون ذلك ، وصدور الفعل بعد تعلّق القدرة والإرادة ضروريّ ، فالشبهة غير منحسمة عن أصلها ؛ إذ مثل العبد في كونه معاقبا بالمعاصي مثل من اضطرّ إلى شيء ثمّ عوقب به ، فإنّ الله ألقى في ذهنه صورة الأمر الملائم ، واعتقاد النفع فيه ، ثمّ ذلك سببا لحدوث الشوق الكامل إلى ذلك الأمر ، ثمّ صار ذلك سببا لانبعاث القوّة المحرّكة إلى الفعل. وتلك الأسباب منساقة إلى أسبابها بالضرورة العقليّة عندهم ، فالشبهة لا تندفع بهذا القدر الّذي يدّعيه المعتزلة ؛ أعني ما به قدرة العبد وإرادته على ما يظهر بأدنى تأمّل صادق من ذي فطرة سليمة.
