بل الدقّة في دفع الشبهة أنّ الممكنات لمّا لم تكن في أنفسها موجودة وإنّما وجودها مستفاد من الواجب ، فليس لها عليه تعالى حقّ حتّى ينسب إليه في تخصيص بعضها بالثواب ، وبعضها بالعقاب ظلم ، وليس مثله كمثل من يملك عبدين ثمّ يعذّب أحدهما من غير جريمة ، وينعّم الآخر من غير استحقاق ، فإنّ العبد ليس مخلوقا للمالك ، بل هو ومالكه سيّان في أنّهما مخلوقان لله مستفيدان الوجود منه ، فلا حقّ للمالك في العبد إلّا ما عيّنه الله.
ويناسب هذا بوجه ، وهو أنّ الإنسان إذا تخيّل صورا منعّمة وصورا معذّبة لا يتوجّه الاعتراض عليه بأنّك لم خصّصت هذه الصورة بالعذاب ، وتلك بالنعمة ، فليعلم أنّ خلق الكافر ليس بقبيح ، وإن كان الكافر قبيحا ، كما أنّ تصوّر الصور القبيحة ليس بقبيح ، وإن كانت الصورة قبيحة ، بل ربّما دلّ تصوير الصورة القبيحة على كمال حذاقة الصانع ، ومهارته في صنعه.
والحقّ الّذي يلوح أنواره من كوّة التحقيق أنّ فيض الوجود من منبع الجود فائض على الماهيّات الممكنة بحسب ما تسعه وتقبله ، وكما أنّ المنعم في النشأتين ممكن ، فكذلك المعذّب فيهما ، والمعذّب في أحدهما دون الآخر ممكن ، وعطاؤه غير منقطع ولا ممنوع ، فإنّ يد الله ملاء بالخير ، وخزائن كرمه مملوّة من نفائس جواهر الجود والإفضال ، فلا بد أن يوجد جميع الأقسام.
وأصل هذا أنّ الصفات الإلهيّة بأسرها تقتضي الظهور في مظاهر الأكوان ، والبروز في مجالي الأعيان ، فكما أنّ الأسماء الجماليّة تقتضي البروز والاشتهار ، فكذلك الأسماء الجلاليّة تقتضي الظهور والإظهار ،
