الدنيا ، فجرى كلام الحقّ على قدر إفهامهم ليعرفوا أنّ ما يمزجه الحقّ بشرابهم ألذّ ممّا يمزجونه ، فذكر الزنجبيل إنّما هو من باب التمثيل لا التحقيق ، فإنّ حقيقة اللذّات الأخرويّة لا يدركها المشتغلون بالنشأة الدنيويّة حقّ الدرك.
نعم ربّما يعرفونها إجمالا ، ألا ترى إلى الصبيّ كيف لا يدرك لذّة الجماع الّتي يدركها البالغ ، إلّا أنّه قد يقطع بأنّ الجماع فيه لذّة ، ولكن لا يعرف حقيقته.
نعم يتمثّل تلك اللذّة له بلذّة القند والسكّر ، فكما أنّ بين لذّة الجماع ولذّة السكّر فرقان فاحش ، كذلك يكون بين لذّة الدنيا ولذّة الآخرة فرقان كثير غاية الفرقان ، بل لا مناسبة بينهما إلّا في الاسم.
كيف واللذّة الروحانيّة الّتي أعدّها للأبرار ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... إلى آخره ، وهي دائمة باقية لا تتصرّم أبدا فهي أحقّ بذلك الاسم من اللذّة الفانية المتصرّمة.
وهكذا الأمر في جميع الألفاظ الّتي عبّر الله بها في القرآن عن اللذّات ، فإنّ حقيقتها ما يلتذّ به العارفون ويستطيبه الصافّون.
وأمّا ما يسمّيه الناقصون باللذّة ويستطيبونه فليس في نفس الأمر لذّة وطيبا ، وإنّما زعموا ذلك لعدم فوزهم بما هو الألذّ والأطيب.
كيف فلو كانوا فائزين به لما كانوا راضين بتلك التسمية أبدا ، بل كانوا لا يتوجّهون إلى ذلك المقام أصلا ، فحرمانهم عن المقام الأعلى حملهم على أن سمّوا تلك الأمور الفانية الزائلة لذّة وطيبا ، وأنسوا بها حتّى لم يتبادر إلى
