وهذا الوجه غير الوجه السابق ، وإن كانا وجهين لشيء واحد ، وحكمه غير حكمه ، وإن كان تصوّره التامّ يحتاج إلى لطف قريحة ، وقد شرحناه في الأبحاث السابقة بعض الشرح ، وسيجيء إن شاء الله استيفاء الكلام في شرحه.
ومقتضى هذه الآيات : أنّ للعالم الإنساني على ما له من السعة وجوداً جميعاً عند الله سبحانه ، وهو الذي يلي جهته تعالى ، ويفيضه على أفراده لا يغيب فيها بعضهم عن بعض ، ولا يغيبون فيه عن ربّهم ، ولا هو يغيب عنهم ، وكيف يغيب فعل عن فاعله ، أو ينقطع صنع عن صانعه ، وهذا هو الذي يسمّيه الله سبحانه بالملكوت ، ويقول : ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (١) ، ويشير إليه بقوله : ( كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) (٢).
وأمّا هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني ، وهو الذي يفرّق بين الآحاد ، ويشتّت الأحوال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان ، وتطبيقها على مرّ الليالي والأيّام ، ويحجب الإنسان عن ربّه بصرف وجهه إلى التمتعات المادّية الأرضية ، واللذائذ الحسّية ، فهو متفرّع على الوجه السابق متأخّر عنه ، وموقع تلك النشأة ، وهذه النشأة في تفرّعها عليها موقعاً كن فيكون في قوله تعالى : ( أَنْ نقول له كُنْ فَيَكُونُ ) (٣).
ويتبيّن بذلك : أنّ هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة أُخرى إنسانية هي هي بعينها ، غير أنّ الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربّهم ، يشاهدون فيها وحدانيته تعالى في الربوبية بمشاهدة أنفسهم ، لا من طريق
____________
١ ـ الأنعام : ٧٥.
٢ ـ ياسين : ٨٢.
٣ ـ التكاثر : ٧.
![موسوعة الأسئلة العقائديّة [ ج ٤ ] موسوعة الأسئلة العقائديّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1389_mosoa-alasalat-aqaedia-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

