الدنيا ، وإن قيل إنّه لم يسلب عنها ما تجري في الأصلاب والأرحام ، فهو مسلوب عن الإنسان ما بين ولادته وبلوغه ، أعني أيّام الطفولية.
ويختل بذلك أمر الحجّة على الإنسان ، وإن كانت غير متوقّفة عليه ، بل يكفي في تمامها مجرد حصول المعرفة ، فأيّ حاجة إلى الإشهاد وأخذ الميثاق ، وظاهر الآية أنّ الإشهاد وأخذ الميثاق إنّما هما لأجل إتمام الحجّة ، فلا محالة يرجع معنى الآية إلى حصول المعرفة ، فيئول المعنى إلى ما فسّرها به المنكرون.
وبتقرير آخر : إن كانت الحجّة إنّما تتمّ بمجموع الإشهاد ، والتعريف وأخذ الميثاق سقطت بنسيان البعض ، وقد نسي الإشهاد والتكليم وأخذ الميثاق ، وإن كان الإشهاد وأخذ الميثاق جميعاً مقدّمة لثبوت المعرفة ، ثمّ زالت المقدّمة ولزمت المعرفة ، وبها تمام الحجّة تمّت الحجّة على كُلّ إنسان حتّى الجنين والطفل والمعتوه والجاهل ، ولا يساعد عليه عقل ولا نقل.
وإن كانت المعرفة في تمام الحجّة بها متوقّفة على حصول العقل والبلوغ ونحو ذلك ، وقد كانت حصلت في عالم الذرّ فتمّت الحجّة ، ثمّ زالت وبقيت المعرفة حجّة ناقصة ، ثمّ كملت ثانياً لبعضهم في الدنيا فتمّت الحجّة ثانياً بالنسبة إليهم ، فكما أنّ لحصول العقل في الدنيا أسباباً تكوينية يحصل بها ، وهي الحوادث المتكرّرة من الخير والشر ، وحصول الملكة المميّزة بينهما من التجارب حصولاً تدريجياً ، ينتهي من جانب إلى حدّ من الكمال ، ومن جانب إلى حدّ من الضعف لا يعبأ به ، كذلك المعرفة لها أسباب إعدادية تهيّأ الإنسان إلى التلبّس بها ، وليست تحصل قبل ذلك ، وإذا كانت تحصل في ظرفنا هذا بأسبابها المعدّة لها كالعقل ، فأي حاجة إلى تكوينه تكويناً آخر في سالف من الزمان لإتمام الحجّة ، والحجّة تامّة دونه؟ وماذا يغني ذلك؟
على أنّ هذا العقل الذي لا تتمّ حجّة ، ولا ينفع إشهاد ، ولا يصحّ أخذ ميثاق بدونه حتّى في عالم الذرّ المفروض ، هو العقل العملي الذي لا يحصل للإنسان ، إلاّ في هذا الظرف الذي يعيش فيه عيشة اجتماعية ، فتتكرّر عليه حوادث
![موسوعة الأسئلة العقائديّة [ ج ٤ ] موسوعة الأسئلة العقائديّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1389_mosoa-alasalat-aqaedia-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

