وفي بعض الأيام بعث السلطان وراءه قبل طلوع الشمس . فجاء الخدم الى داره ووجدوه مشتغلاً بقراءة الأدعية فأبلغوه الإِرادة الملكية ، ولكن الوزير لم يلتفت الى كلامهم بل استمر في قراءة الأدعية . لقد تذرع الخدم بذلك وأخبروا الملك بأنه أهان أوامره ، فغضب غضباً شديداً . . .
فرغ الوزير من عباداته ، فركب جواده وذهب الى البلاط ، وما أن دخل حتى واجهه الملك بأشد الخشونة قائلاً له : لماذا تأخرت ؟ !
عند ذاك قال الوزير بكل صراحة وثبات : أيها الملك ، إني عبد لله وخادم للسلطان ، وما لم أفرغ من قضاء حق العبودية لا يتسنى لي القيام بواجب الخدمة .
لقد أثر كلام الوزير المنبعث من قلب صلب وإرادة رصينة في الملك إلى درجة أن عينيه أغرورقتا بالدموع ، ثم استحسن من الوزير ذلك وأوصاه بالإِستمرار على ذلك الأسلوب بتقديم واجب العبودية على واجب الخدمة كي ينتفع البلد بسداد آرائه (١) .
إن متانة الشخصية تبرز من خلال المنطق الصريح والبيان القاطع للفرد ، كما أن الحقارة والحسة تتضح من خلال أحاديث الفرد أيضاً .
قال علي عليه السلام : « بيانُ الرجلِ يُنبىء عن قوّةِ جنانه » (٢) .
الشرط الأساسي للتواضع :
لقد اعتبر الإِسلام التواضع من الصفات الحميدة والسجايا الطيبة ، واحترم الشخص المتواضع أيما احترام . . . لكنه يشدّد في النكير على الشخص الذي يستسلم للذل والهوان بصورة التواضع وبإسم التأدب .
____________________
(١) جوامع الحكايات ص ١٧٣ .
(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٣٤٣ .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
