من دون ذنب ولكني
أرجوك أن تسمح لي بالذهاب الى اهلي هذه الليلة لأودعهم وأوصيهم بوصاياي واؤدي حقوق الناس وسأحضر عندك غداً صباحاً ، يقول عنبسة : لقد استغربت من هذا الطلب الذي توجّه به المتهم فلم أجبه ، فكرّر علي السؤال ، حتى أثر كلامه في نفسي ، وخطر ببالي أن أتوكل على الله وأنزل عند رغبته فصممت على ذلك وقلت له : اذهب ولكن يجب أن تعاهدني على الرجوع غداً ، فقال الرجل : عاهدتك علىٰ أن أحضر غداً صباحاً وأشهد الله على هذا العهد ، ثم
ذهب حتى غاب عن عيني ولكن ما إن رجعت الى نفسي حتى اضطربت اضطراباً شديداً وندمت على ما فعلت ، فقد عرّضت نفسي لغضب الحجاج من دون سبب ، ولازمني الاضطراب حتى ذهابي الى البيت فذكرت ذلك لأهلي فلاموني . . . ولكن لات حين لوم . لم أنم تلك الليلة ، كنت أتململ كالسليم
، وأتقلب كالثكلى . وعند الصباح وفى الرجل بعهده فتعجبت من مجيئه وقلت له : لماذا حضرت ؟ قال : من آمن بالله واعتقد قدرته وعظمته وعاهد على أمر وجعل الله شهيداً على عهده فلا يخلف عهده . فأخذته الى قصر الامارة في الساعة المقررة وذكرت للحجاج ما جرى بيني وبينه الليلة السابقة ، فتعجب من ايمان الرجل ووفاءه بعهده ، ثم قال لعنبسة : أتريد أن أعفو عنه لأجلك فقال : لو تتكرم عليّ بذلك فلك المنة العظيمة ، فعفا الحجاج عن المتهم وأخرجه عنبسة من دار الامارة وقال له بكل لطف ولين : اذهب فأنت حر . فذهب الرجل دون أن يشكر لعنبسة جميل
صنعه ويقابل إحسانه بالإِحسان . فتألم عنبسة من هذه البرودة ، وهذا التنكر للحق ، وقال في نفسه : لعله مجنون . وفي اليوم الثاني حدث ما لم يكن
بالحسبان فقد حضر الرجل عند عنبسة وشكره على انقاذه من الورطة التي وقع فيها . ثم قال له : إن المنقذ الحقيقي هو الله
تعالى وكنت أنت الواسطة في ذلك . فلو كنت أشكرك بالأمس على إحسانك كنت قد أشركتك بالله في النعمة التي أنعم بها علي وهذا ليس بمستحسن ، فرأيت من اللازم أن أذهب لأداء واجب الشكر والحمد بين يدي الله تعالى أولاً ، ثم أحضر لتوجيه الشكر لك . ثم شكر لعنبسة جميل صنعه وإحسانه واعتذر منه كثيراً وانصرف (١)
. ____________________ (١) جوامع الحكايات ج ١ / ٧١ .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
