إن الأعور أو المجذوم يتألم في باطنه ويحس بالحقارة ، فلو أن أحداً أطال النظر إلى عضوه الناقص كان ذلك سبباً في زيادة حزنه وشعوره بالضعة . وكذلك الأصم أو ضعيف السمع فإنه يتألم في نفسه ويحس بنقص كبير ، فلو كلمه المتكلم بلهجة شديدة زاد تألمه أما لو كلمه بطلاقة وجه وابتسام ، رافعاً صوته لإِسماعه من غير أن يزجره ، فذلك يترك أثراً طيباً في نفسه ، أو يقلل من تأثره الشديد .
. . . وقد عرّف الإِمام الصادق عليه السلام هذا الفعل بالصدقة الهنيئة .
٥ ـ عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه ، أو يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه ، أو يؤذي خليله بما لا يعنيه » (١) .
إن النظر الدقيق المؤذي الى نقائص الناس لا نفع فيه ، لكنه يسبب في ذي البلاء تضجراً وضغطاً روحياً وألماً . ومن عامل جليسه بهذه الصورة أظهر له بذلك سوء خلقه .
لقد ظهرت بقع بيضاء في وجه ( يونس بن عمار ) أحد أصحاب الإِمام الصادق عليه السلام ، وآلمه ذلك ، إلا أنه كان يضيق ذرعاً بالكلمات المسمومة الصادرة من الناس تجهه ، فقد كانوا يقولون له : لو كنت أهلا لفضل الله وكان الدين الحق بحاجة اليك لما ابتليت بهذا الداء . فتألم يونس من ابتلائه بالمرض وكذلك من تحقير الناس وإهانتهم إياه تألماً شديداً وجاء الى الإِمام الصادق عليه السلام وقال : ان هذا الذي ظهر بوجهي يزعم الناس أن الله لم يبتل به عبداً له فيه حاجة ، قال : فقال لي : لقد كان مؤمن آل فرعون مكنّع الأصابع فكان يقول هكذا ويمدّ يديه ويقول : يا قوم اتبعوا المرسَلين (٢) .
في هذا الحديث نجد الإِمام الصادق عليه السلام يردّ على كلام الناس الركيك بجملة قصيرة ، ويفهم يونس بن عمار ضمناً أنه يتمكن ـ كمؤمن آل فرعون ـ أن يخدم شريعة الله ، وأن يكون داعيه خير وصلاح بين الناس على ما هو عليه من النقص . . . وطبيعي أن يخفف هذا الكلام من ألم الشعور بالحقارة فيه من جهة ، ويبعث فيه رجاء خدمة دين الله من جهة اخرى .
والنتيجة : ان العاهات والنقائص التي لا تقبل العلاج عامل كبير للشعور بالحقارة
____________________
(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ / ٤٥٩ .
(٢) المصدر السابق ج ٢ / ٢٥٩ .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
