وهذا ما ذهبت إليه الإمامية الإثنا عشرية إِذْ جوّزت للرسول أن يشرّع للأمة ما ينظّم مصالحها ، وهذه هي السنة التي جاءت مكمّلة للشريعة السمحاء ، وتابع الرسول في هذا الحق الأئمة المعصومين عليهمالسلام . أما بقية المذاهب الإسلامية فقد أنكرت ذلك على الشيعة الإمامية ، إلا أنها لم تنكر ما للحكّام وأولي الأمر ـ على مذاقهم في التفسير ـ من حق التصرّف والتشريع وتعطيل الحدود ، إذ له صلاحية كبرى في التقنين ، بل وجعلوا لذلك قدسية وشرافة ، والالتزام به واجب ، وإن كان يعارض النصوص القرآنية .
وهذا ما حدث في زمن الخليفة الأول إِذْ منع الزهراء من إرثها ، وقد خالف بحكمه هذا نصوص القرآن ، وقد استدل بما ينسب للرسول قوله : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ) وفي رواية لا نورث ما تركناه صدقة (١) على أن هذا لم يثبت صدوره من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كما أن الذي رواه فقط أبو بكر ، وقد احتجت الزهراء سلام الله عليها بنصوص من الذكر الحكيم كاد أن يقنع بها أبو بكر لولا نهي عمر بن الخطاب له .
ثم خالف عمر بن الخطاب نصوص القرآن بتحريمه متعة الحج ومتعة النساء ، فقال : كانتا متعتان على عهد رسول الله وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليها ؛ أحدهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوّج إمرأة إلى أجل إلّا غيّبته بالحجارة والأخرى متعة الحج افصلوا حجّكم من عمرتكم (٢) فإنه أتمّ لحجكم وأتمّ لعمرتكم .
وهذا التحريم هو الآخر مخالف لنصوص القرآن الكريم . ثم لم يجر الحد علىٰ خالد بن الوليد لمّا قتل مالك بن نويرة ودخل بزوجته من ليلته ، فأي تعطيل للحدود ولحكم الله بعد هذا وأيّ مخالفة وراء هذا . . . وهناك عشرات بل المئات من تلك المواقف التي خالفت النصوص القرآنية ناهيك عن مخالفتها لسنّة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(١) أنظر شرح النهج ٤ / ٨٥ ، طبقات ابن سعد ٢ / ٣١٦ ، مسند أحمد ١ / ١٠ الحديث ٦٠ ، كنز العمال ١٤ / ١٣٠ كل المصادر أطبقت أن حديث ( لا نورث . . . ) لم يروه إلا أبو بكر .
(٢) سنن البهيقي ٧ / ٢٠٦ .
