( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ . . . ) (١) وإلى ذلك عشرات الآيات المباركات .
خامساً : إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله ، إذن فلا حجّة لله على عباده في ارتكاب المعاصي ، بل إن الحجة البالغة سوف تكون للعصاة . . .
إلا أن القرآن الكريم يصرح بأن الفعل القبيح إنما صدر بإرادة الإنسان وهو المسؤول عنها والحجة لله تعالى .
قال تعالى : ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) (٢) . فقوله تعالى : ( كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ) واضحة الدلالة من أن أفعالهم كانت صادرة باختيارهم .
إلى غير ذلك من الأدلة التي لا يصمد عندها المجبّر وبها تبطل مزاعمهم الفاسدة . لكن أنّىٰ لهم الردع وقد ترعرعوا في نعيم العيش ، ينقلبون في قصور الحكّام والخلفاء وينهلون من أموالهم ومنحهم . فهم الوسيلة لتعضيد الملوك والخلفاء علىٰ جورهم والدرع الحصين الذي وقى أولئك الجبابرة ، ومنحهم الشرعية الكاملة لتصرفاتهم وغصبهم للخلافة وجورهم . . . فهم بغية أهل الفسق والفجور من الحكّام والولاة كما أنهم وجدوا من الظَلَمَة المتنفّذين المرتع الخصب لتحقيق المصالح وإشباع الرغبات . . .
هذا بيان يكشف لنا فساد عقيدة المجبّرة بل وكفرها وقد مر في الصفحات المتقدمة قول الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم .
أما المعتزلة التي غرّبت قبال تشريق المجبّرة والأشاعرة وأهل الحديث ، فقد اتّفقوا على أن العبد خالق لأفعاله قادر عليها ، صادرة منه بحريته المطلقة وإرادته الكاملة ، وبهذا الاعتقاد أظهرت الخالق الباريء بمظهر العاجز الذي لا يتمكن إعمال إرادته في إرادة مخلوقه . . لأنه ـ حسب زعمهم ـ قد أوجد الكائنات وأبدعها وانتهىٰ من خلقها وتركها وشأنها من دون إعمال مشيئته فيها ، وإن أفعال العباد هي إحدى ظواهر الوجود المتحررة عن مباشر المشيئة الإلهية .
____________________
(١) سورة هود ، الآية : ١١٧ .
(٢) سورة المدثر ، الآية : ٤٢ ـ ٤٦ .
