🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

وقول الشاعر (١) :

فإنّ غدا لناظره قريب

«والمراد به» أي بالنظر «هنا إجالة الخاطر» أي الفكر «في شيء» معلوما كان ذلك الشيء أو مجهولا «لتحصيل اعتقاد» أيّ اعتقاد كان و «يرادفه» أي يساويه في المعنى بغير لفظه لفظ «التفكر» والتأمل والتدبر والرّويّة «المطلوب به ذلك» أي تحصيل اعتقاد وإن لم يقصد به ذلك فليس مرادفا (٢) للنظر نحو أن يتفكر في غير شيء أو يتفكر في شيء لا لتحصيل اعتقاد.

«وهو» أي النظر «ينقسم إلى قسمين» وهما «صحيح وفاسد فالأول» وهو الصحيح «ما تتبّع (٣) به أثر» أي فعل «نحو التفكر في المصنوع» وهو المخلوق «ليعرف الصانع» له وهو الله الخالق كما قال الأعرابي : البعرة تدل على البعير ، والأقدام تدل على المسير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج لا تدل (٤) على اللطيف الخبير.

«والثاني» وهو النظر الفاسد «ما كان رجما بغيب» أي من دون اتّباع أثر «نحو التفكر في ذات الله تعالى» لأنه تعالى لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس فلا يصح تصوره.

وإنما يعلم سبحانه وتعالى بأفعاله ومخلوقاته ، وما أودع فيها من الحكم الباهرة والعجائب الجمّة.

ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «تفكروا في آلاء الله» ولا تفكروا في الله.

وقال : «تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق».

وقال عليّ عليه‌السلام : (من تفكر في الصانع ألحد ومن تفكر في

__________________

(١) وهو المثقّب العبدي وأوّله (وإن يك صدر هذا اليوم ولى) تمت (ش).

(٢) (ب) فليس بمرادف.

(٣) (ض) ما يتبع.

(٤) (ض) لا يدلّان.

٦١

المصنوع وحّد) رواه السيد حميدان عليه‌السلام.

وروي أيضا عن محمد بن القاسم بن إبراهيم عليهم‌السلام عن النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : «تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق».

«و» كذلك التفكر «في ماهيّة الروح» لأنّ الله سبحانه قد حجب عنّا علمه كما حجب عنّا علم كثير من ماهيّات مخلوقاته كالملائكة والجن وغيرهم.

قال «أئمتنا عليهم‌السلام وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم» : المراد بصفوة الشيعة الزيدية «والصحيح منه» أي من النظر «واجب عقلا وسمعا» أي يحكم العقل بوجوبه وورد السمع بوجوبه أيضا كما سنحقّقه إن شاء الله تعالى ، لأنّ الله سبحانه لا يعرف ضرورة في دار الدنيا مع بقاء التكليف.

قال السيد مانكديم عليه‌السلام في شرح الأصول : وقد خالف في ذلك أصحاب المعارف كالجاحظ وأبي علي الأسواري.

قال : إلّا أنهم افترقوا فمنهم من قال : إن المعارف كلها تحصل إلهاما وهؤلاء لا يوجبون النظر البتّة.

ومنهم من قال : إن المعارف (١) تحصل بطبع المحل عند النظر فيوجبون النظر لكن لا على هذا الوجه الذي أوجبناه ، فبقي الخلاف بيننا وبينهم قال : وقد حكي عن بعض المتأخرين أظنه المؤيد بالله عليه‌السلام أنه يجوز أن يكون من المكلفين من يعرف الله تعالى ضرورة في دار الدنيا مع بقاء التكليف كالأنبياء والأولياء والصالحين.

قلت : وهذا صحيح ولا يبعد أن يكون أصل معرفته تعالى إلهاما منه عزوجل وفطرة فطر العقول على ذلك كما فطرها على إدراك المدركات وقد أشار إلى ذلك النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله : «كل مولود يولد على الفطر ... الخبر».

__________________

(١) (ب) إن المعارف كلها.

٦٢

وقد ذكر مثل هذا الإمام الكبير ؛ محمد بن القاسم في كتاب الهجرة ، والإمام القاسم بن علي العياني عليهم‌السلام وغيرهم ، وروي عن الفقيه حميد الشهيد وغيره أيضا.

وأما في الدار الآخرة فقال السيد مانكديم عليه‌السلام إن المحتضر وأهل الآخرة يعرفون الله تعالى ضرورة.

قال : وقد خالف فيه أبو القاسم البلخي ، وقال : إنه تعالى كما يعرف دلالة في دار الدنيا فكذلك في دار الآخرة ، لأنّ ما يعرف دلالة لا يعرف إلّا دلالة كما أن ما يعرف ضرورة لا يعرف إلّا ضرورة.

قال : والذي يدل على أن العلم بالله تعالى ليس بضروري ما قد ثبت أنه يقع بحسب نظرنا على طريقة واحدة ، فيجب أن يكون متولّدا عن نظرنا ، وإذا كان كذلك والنظر من فعلنا فيجب أن تكون المعرفة أيضا من فعلنا لأنّ فاعل السبب ينبغي أن يكون فاعلا للمسبب فيبطل أن يكون ضروريا ... إلى آخر ما ذكره عليه‌السلام.

وقد استوفيناه في الشرح.

«خلافا للتعلمية» قال عليه‌السلام : وهم فرقتان من الباطنية وغيرهم وهما القرامطة والصوفية فقالوا : إن النظر والاستدلال بدعة وكذا ذكره عنهم الأمير الحسين عليه‌السلام.

«قلنا» جوابا عليهم «جهل المنعم مستلزم للإخلال بشكره على النعم ، لأنّ توجيه الشكر إلى المنعم مترتب على معرفته ضرورة» فيجب البحث عن المنعم ليوجّه الشكر إليه «والعقل يقضي ضرورة بوجوب شكر المنعم

__________________

هذا التنبيه لحي الوالد العلامة الحسن بن حسين الحوثي رحمه‌الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله. تنبيه : ينبغي أن نذكر بحثا يتضمّن ثلاث مسائل :

(الأولى) ـ : وجه وجوب النظر عقلا لمعرفة الباري تعالى وصدق رسله.

(الثانية) ـ : في حكم الشكر واختلافه شاهدا وغائبا.

٦٣

__________________

(الثالثة) ـ : في بيان وجه كون طاعة الباري تعالى شكرا عقلا وبيان وجوب امتثال أمره تعالى ونهيه.

أمّا الأولى : فقد وقع الخلاف فيها :

فأنكرت الأشعرية وجوب النظر عقلا وقالت : ليس إلّا بالسمع.

وأجيب عليهم : بلزوم الدور إذ لا يعرف صدق الرسل ووجوب امتثال أمرهم ونهيهم ، وكذا المرسل إلّا بوجه إذ صيغتا الأمر والنهي لا تقتضيان وجوب الامتثال على المأمور والمنهي وإلا لزم أن أمر بعضنا لبعض يوجب الامتثال وكذا النهي ، والمعلوم خلافه.

وجعل أصحابنا وجه وجوب النظر لذلك قولهم : الشكر واجب عقلا للضرورة فيجب النظر في معرفة المنعم لتأدية شكره ، وأنه تعالى لا يترك عباده هملا فلا بدّ من بيان كيفية ما به يشكر فأقول :

الذي يدركه العقل : أن وجوب النظر عقلا موقوف على بعثة الرسل المنذرين فإنه إذا انتصب أحد وأخبر أنه رسول مالك قادر منعم يعاقب من عصاه بعذاب شديد وقال : أنا نذير لكم بين يدي عذاب شديد فإنه يجوز صدقه ، وإذا كان مع ذلك معروفا بالأمانة والثقة ومكارم الأخلاق من بيت رفيع متنزّها عن الرذائل فإنه يوجب رجحان صدقه بل قد يفيد الجزم فالعقل يقضي بوجوب النظر في صدق ما ادّعاه لأنّ دفع الضرر المظنون ، فكيف بالمجزوم به واجب عقلا ، وإلّا كان غير المجتنب للضرر ظالما لنفسه والظلم قبيح ضرورة.

وأما القول بأن وجه وجوب النظر هو أنه قد وصلت إلى العباد نعم وشكر النعم واجب بضرورة العقل فيجب علينا النظر لمعرفة المنعم ليشكر : فهو ضعيف لا يثمر المطلوب من وجوب النظر ولا يفيد الظن ، فإن في الشاهد أن من تابع الإحسان إلى أحد وكثر إنعامه عليه فإنما يقضي العقل بحسن المكافأة ضرورة وبقبح الإساءة إليه كذلك.

وإذا ثبت وجوبه شرعا مع كونه حسنا ضرورة فلعلّه سبب إطلاقهم القول بوجوب الشكر بضرورة العقل ، فإذا الكفر في الشاهد والشكر : ضدّان ، فالإساءة إلى المنعم قبيحة ضرورة ، والمكافأة له بالإحسان إليه حسنة ضرورة فإذا لم تحصل إساءة ولا مكافأة من المنعم عليه فهو إذا لا شاكر ولا كافر ، هذا إذا كان

٦٤

__________________

المنعم معروفا ، أمّا إذا كان مجهولا فلا يقضي العقل بوجوب النظر لمعرفته ، (نعم) وإذا كان معروفا وتتابع إنعامه على أحد واحتاج المنعم إليه واضطر فلا يبعد أن العقل يقضي بوجوب مكافأته وسدّ خلته مع الإمكان وإلّا استحق اللوم والذمّ.

فلا يصحّ القول : بأن وجه وجوب النظر لمعرفة الباري لوجوب شكره مع الجهل به إذ يلزم منه الدور كما لزم الأشعرية لأنّ حقيقة النعمة هي : المنفعة الموصلة إلى الغير لمجرد التفضّل والإحسان ، فخرج المنفعة لغرض المكافأة إذ هي في حكم المعاوضة ، وخرج المنفعة المقصود بها الاستدراج للوقوع في الضرر.

فالمنافع الواصلة إلى العباد محتملة للثلاثة الأوجه : إمّا مجرد الإحسان أو لغرض المكافأة أو للاستدراج إلى الضرر ، فلا يعرف كون المنافع الواصلة إلى العباد نعما إلّا بعد معرفة الموصل لها وأنه لم يقصد بها العوض ولا الوقوع في الضرر بل مجرد الإحسان.

فقد توقف معرفة كون المنافع نعما على معرفة الله تعالى وأنه العالم على الإطلاق والغني كذلك ، وأنه الموصل إلينا هذه المنافع لمجرد التفضّل والإحسان لا للمكافأة لغناه وعدم حاجته إليها ، ولا بقصد الضرر إذ هو يكون ظلما وهو قبيح ضرورة فثبت كونها نعما.

وتوقف وجوب معرفة المنعم على الشكر المتوقف على النعم المتوقفة على معرفته فقد توقف وجوب معرفته على معرفته وهذا من توقف الشيء على نفسه وهل هذا إلّا الدور؟

فإن قيل : قد مرّ أن صيغة الأمر والنهي لا يفيدان الوجوب والحرمة على المأمور والمنهي وإن كان الآمر الناهي منعما فما وجه وجوب امتثال أمر الله ونهيه؟ وما وجه كون الامتثال شكرا مع أنه قد تقرر عند أهل العدل أنه ما خلق المكلف إلّا ليعرضه بالتكليف على منافع سنيّة ومراتب عليّة ، وقد ثبت أن طلب المنفعة لا يجب؟

قلنا ـ : أما وجه وجوب الامتثال : فلأنه قد ثبت كونه منعما على العباد ومالكا لهم ، وثبت أن للأمر بالشيء نهي عمّا يمنع منه ، فإن امتثلنا فذاك وإلّا كنّا

٦٥

__________________

قد أسأنا إليه لتصرفنا بجوارحنا المملوكة له فيما نهانا عنه إمّا نهيا صريحا أو ضمنيا ، والإساءة إلى المنعم تقبح بالضرورة ولا يمكن الخروج من الإساءة إلّا بالامتثال فوجوبه للخروج من دائرة الكفران والخروج واجب وما لا يتم الواجب إلّا به يجب كوجوبه فوجوب الأفعال المأمور بها كالعبادات من هذا الوجه وهو أنه لا يمكن ترك الكفر إلّا بفعلها.

وأما كون طاعة الباري شكرا : فلأنه قد ثبت أنها شرعت لما يترتب عليها من الثواب ، فمن سارع إلى موافقة غرض المنعم فقد أحسن وشكر ، ففي حق الباري بالامتثال وقد عدّه الله إحسانا حيث قال : (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ).

والغرض في حق الله غرض حكمة وهي إرادة الإحسان إلينا بواسطة التكليف ولذا في الحديث القدسي ، قال تعالى : «يا عبدي : خلقتك لتربح عليّ لا لأربح عليك».

إذا تأملت ما ذكرناه تبين لك أن الشكر والكفر في حق الباري نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان وهما في الشاهد ضدان قد يرتفعان.

وعرفت ضعف القول : بأن الله أرسل الرسل لبيان تأدية شكره وأنه الغرض المقصود الأصلي ، بل كلفهم ليترتب عليه الإحسان المقصود بخلقهم فالشكر عارض من جهة ما ذكرناه آنفا وليس هو الغرض الأصلي للباري فهو الغني الحميد.

واعلم : أن قول العدلية : بالواجب العقلي نحو الشكر ورد الوديعة ليس الوجوب في ذلك لذاته بل لغيره.

وأمّا الشّكر : فهو لما ذكرناه آنفا ، وأما ردّ الوديعة : فلأنّ حبسها ظلم وهو قبيح ضرورة فترك الظلم واجب ولا يتم إلّا بالردّ وما لا يتم الواجب إلّا به يجب كوجوبه.

(نعم) قد حكي عن الرازي أنه أقسم أنه لا يعلم بعقله وجوب شكر المنعم ، فإن أراد بذلك في الشاهد فلا بأس به لأنه إنما يعرف بالعقل حسنه ، وإن أراد ولو في حق الباري فإن أراد أنه لا يعلم وجوبه بالأصالة فلا بأس أيضا ، وإن أراد ولو بالتبع فالقسم حنث لما قررناه آنفا فليتأمل.

٦٦

__________________

(نعم) يرد على قول الأشعرية إنه لا يجب النظر لمعرفة الله وصدق الرسل إلّا بالسمع وذلك بالأمر بذلك سؤال وهو أن يقال :

ما الوجه في ثبوت وجوب الفعل المأمور به من نظر وغيره لا يصحّ أن تكون صيغة الأمر مقتضية وموجبة لصفة الفعل وهي وجوبه وتسمية الوجوب صفة بالمعنى الأعمّ وإلّا لثبت الوجوب لأمر بعضنا لبعض بحيث يترتب على عدم الامتثال استحقاق الذمّ والعقاب والمعلوم خلافه.

فإن قيل ـ : المالك المنعم هو العلة في ثبوت الوجوب للفعل مع الأمر منه فالوجوب صفة للفعل ولا يصحّ أن تكون ذات المالك المنعم مؤثرة في صفة للغير الذي هو الفعل ، وإن أردتم أن كونه مالكا ومنعما صفتان له اقتضتا صفة للفعل فكذلك لا يصحّ إذ الصفة لا توجب صفة إلّا لموصوفها.

وإن أردتم لو لم يكن الفعل واجبا على المكلف للزم منه كفر المنعم بالتصرف في ملكه مع المنع منه وكونه منعما يرد عليكم أنه لا يؤثر ذلك في الصفة إذ لا يدرك العقل على قولكم حسنا ولا قبيحا فلا يدرك قبح كفر النعمة فكيف يكون مؤثرا في صفة الفعل فلا وجه يقتضي ثبوت الصفة للفعل إلّا من حيث أن العقل يدرك قبح كفر النعمة ، وإذا كان لا يمكن الخروج من دائرة قبح كفر النعمة إلّا بفعل المأمور به فهو المثبت للصفة التي هي الوجوب لأنّ ترك القبيح واجب ولا يتم إلّا بفعل المأمور به ، أمّا إذا لم يدرك العقل قبح كفر النعمة فلم يبق وجه لإثبات صفة للفعل وهي الوجوب فلا معنى ولا وجه لقولكم : إنّما يجب سمعا مع إصراركم أن العقل لا يدرك حسنا ولا قبيحا.

واعلم : أن أحكام الفعل غير مقدورة بل ثابتة لذاتها فقبح الظلم لذاته والكذب كذلك ، وحسن العدل والتفضّل لذاتيهما وإلّا لو كان لغيرهما لأمكن تغييرهما بجعل الظلم حسنا والعدل والتفضّل قبحا ، والعقل يحيل ذلك لكونه من قلب الحقائق وهو محال.

فإن قالت الأشعرية : إنّ قبح كفر النعمة لنهي الشارع : عاد السؤال في النهي كما ذكرنا في الأمر وهو : أن صيغة النهي عن الفعل لا توجب حرمته وإلّا لزم في الشاهد والمعلوم خلافه.

وإن قالت : الموجب للحرمة المالك المنعم عند إطلاقه لصيغة النهي

٦٧

__________________

فالذات لا تؤثر إلّا في صفة لها لا لغيرها ، وإن أرادت أن صفته من كونه مالكا اقتضت الصفة للفعل وهي الحرمة فالصفة لا تقتضي صفة إلّا لموصوفها.

وإن أردتم أن صفة الوجوب والحرمة خلق له تعالى فهما صفتان بالفاعل كما هو المشهور من قولكم فلا دليل على كونهما مخلوقتين.

وأيضا : يقال فيه : هل صيغة الأمر والنهي موضوعة لإلزام الفعل والترك ولزوم ذلك على المأمور والمنهي لزم أن تكون الصيغتان مستعملتين في الشاهد للأمر والنهي من بعضنا لبعض مجاز لا حقيقة ولم يقل به أحد.

وإن كانتا موضوعتين لإلزام الفعل أو الترك وليس لزوم ذلك من معناهما لزم أن يكون إطلاق الصيغتين من الباري سبحانه مجازا على الإطلاق فلا قرينة والمجاز أولى من الاشتراك ولا قائل به.

فكيف يصحّ القول بكون الحرمة والوجوب مستفادة من إطلاق الباري الصيغتين مع أنه لا دليل إلّا ما ذكرناه من كونه يؤدّي إلى كفر النعمة وكفران النعمة بالإساءة إلى المنعم وذلك قبيح بضرورة العقل.

(نعم) هذا البحث المذكور إنّما هو مبنيّ على أن الفعل من العبد حتى يثبت له الأحكام المذكورة من حرمة ووجوب وحسن وقبح.

أمّا على قول مذهب الأشعرية وسائر المجبرة : إن كل فعل فالله فاعله ولا فاعل سواه : فالفساد فيه ظاهر لأنه يؤول المعنى في صيغة : افعلوا الواردة من الباري إلى : أوجبت عليكم ، كذا افعل وكذا : لا تفعلوا فمعناه : حرمت عليكم أن أفعل فيكون فعل الله سبحانه واجبا على المأمور ومحرّما على المنهي بمثابة أن يقال : أمرت زيدا بفعل عمرو ونهيته عن فعل بكر ، وهذا خلف وخطل من الرأي ، وهذا لا يقبله عاقل فليتأمل.

هذا ما سنح للحقير إلى الله / حسن بن حسين الحوثي وفقه الله للصواب وظهر له بفكرته وفوق كل ذي علم عليم.

واعلم : أنك إذا تأملت ما في هذا وفهمت نفعك في مواضع كثيرة وأزال عنك إشكالات وأوقفك على الحقائق.

والله الموفق للصواب. حرّر شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٨١ ه‍.

٦٨

و» يقضي «بقبح الإخلال به فوجبت معرفته لذلك ، ومعرفته تعالى لا تكون إلّا بالنظر لامتناع مشاهدته تعالى كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، وما لا يتم الواجب إلّا به يجب كوجوبه» كالقيام وفتح الباب في رد الوديعة «وإلّا وقع الخلل في الواجب» أي يلزم من عدم وجوب ما لا يتم الواجب إلّا به ترك الواجب وإبطال وجوبه «وقد قضى العقل بقبحه» أي ترك الواجب «فتأمله» فإنه يوضح لك الحق ، وهذا الذي ذهب إليه قدماء أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ، وأبو علي من المعتزلة وقال سائر المعتزلة : إنما وجب النظر عقلا لكون معرفة الله سبحانه واجبة ووجه وجوبها هو كونها لطفا للمكلفين في القيام بما كلّفوا ، أو جارية مجرى اللطف.

قالوا : لأنّ حقيقة اللطف هو ما يمتثل المكلف عنده ما كلفه لأجل أنه كلفه أو أن يكون أقرب إلى ذلك ، ولا شك أن المعرفة بهذه الصفة فإن من عرف أنّ له صانعا يثيب من أطاعه ويعاقب من عصاه كان أقرب إلى طاعته ، وتحصيل ما هو لطف بهذه الصفة واجب ، وما لا يتم الواجب إلّا به يجب كوجوبه ، وربّما فسروا ذلك بأنها تمكين من اللطف لمّا كان اللطف الذي له حظ الدعاء والصرف إنما هو العلم بالثواب والعقاب بعد معرفة الله تعالى فهي وصلة إلى ما هو لطف.

والجواب والله الموفق : أنها لو كانت لطفا أو جارية مجراه لما وجبت إذ لا يجب اللطف كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وأيضا : ليس لتحصيل اللطف من جهة المكلف أن يفعله لنفسه وجه في الوجوب ، وإنما الواجب عليه القيام بما كلّف به ، من غير واسطة أمر يكون ذلك الأمر مسهّلا له فعل الواجب لأنه ليس مقصودا في نفسه فيلزم أن لا تكون معرفة الله سبحانه واجبة لأنها ليست مقصودة في نفسها وإنما هي مسهّلة لما هو الواجب الحقيقي.

«و» أمّا دلالة الشرع فمنها «قوله تعالى : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ...) (١) الآيات وهنّ (٢) (وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ

__________________

(١) الغاشية (١٧).

(٢) (ض) وهي.

٦٩

نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (١) «ونحوها» كثير كقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ) (٢).

«قالوا» أي التعلمية «لا يدرك بالعقل إلّا الضروريات فقط» لا الاستدلاليّات «فيدرك الإمام» أي إمام القرامطة «أو» يدرك «الشيخ» أي شيخ الصوفية «ما يناسب حروف القرآن» من المعاني والأحكام «وغيره» أي غير المناسب «من المغيبات ضرورة» أي بضرورة العقل لا بنظر واستدلال «ثم» بعد إدراكهما ذلك «يعلّمانه» الناس.

«قلنا» جوابا عليهم «العلم بأنّا ندرك» المدركات «بالنظر» والاستدلال «ضروري» لا ينكره عاقل «كالعلم بأنّا نروى بالماء ونشبع بالطعام» وأنّا ندرك الألم والشهوة حين يوجد سببهما وإنكار ذلك سفسطة «وقولكم : يدرك الإمام أو الشيخ ما يناسب حروف القرآن وغيره من المغيبات ضرورة مجرد دعوى منهما» إن كانا ادّعيا ذلك عليكم بلا دليل» على صحة دعواهما وأي فرق بينكم وبينهما «حيث لم تدركوا» أنتم «ذلك» أي المناسب والغائب «ضرورة مثلهما» لأنّ الحواس سليمة والموانع مرتفعة في حق الجميع فلا مخصص لهما بصحة هذه الدعوى دونكم «و» لكنكم «لم تنظروا في صحة دعواهما لبطلانه» أي النظر «عندكم» فدلّسا عليكم بذلك «وكل دعوى بلا دليل لا شك في بطلانها» لا سيّما إذا استلزمت إنكار ما علم بضرورة العقل «وإلّا» تكن باطلة «فما الفرق بين دعواهما ودعوى من يقول» من سائر الناس «إن المناسب» للحروف «والغائب» أي المعلوم الغائب «خلاف ذلك» الذي ادّعاه الإمام أو الشيخ.

وقالت «المجبرة» كافة «لا يجب» النظر «إلّا سمعا» بناء على أصلهم من إنكار التحسين والتقبيح العقليين.

ولهذا قال الرازي في محصوله : ليست معرفة الله سبحانه ولا النظر فيها

__________________

(١) الغاشية (١٨ ، ١٩ ، ٢٠).

(٢) الروم (٨).

٧٠

مقدورة (١) ، وجعل الأمر بها وبالنظر (٢) في قوله تعالى : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) (٣) وقوله : (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٤) أحد الأدلة على تكليف ما لا يطاق حكى هذا عنه القرشي في منهاجه قال : وهو قول ظاهر التهافت ويكفي في شناعته أنه إقرار بالجهل بالله تعالى ، لأن المعارف عنده نظرية لا ضرورية ، وإقرار بإبطال النظر مع أنه إنما يبطل النظر بالنظر ، وإقرار بأن ما قاله في مصنفاته كان لا عن علم وكل هذا يتوجه معه طي المناظرة انتهى.

«لنا» حجة عليهم «ما مر» من الاستدلال على وجوب النظر والاستدلال على ثبوت حجة العقل وهي (٥) الحجة الكبرى «وان سلم» أي ما ادعوه «لزم بطلانه بالدور أو الكفر لأن المكلفين إمّا أن يجب عليهم النظر في صحة دعوة الأنبياء عليهم‌السلام» للنبوّة «أو لا» يجب عليهم.

«والأول» وهو وجوب النظر في صحة دعوى الأنبياء عليهم‌السلام للنبوّة «دور» محض «لأنه لا يجب النظر» عندهم «إلّا بالسمع ، والسمع لا يثبت إلا بالنظر» في صحة دعوى النبوّة فإذا صحت النبوّة صح السمع ، فتقف معرفة السمع على معرفة النبوّة التي لا تثبت إلا بالنظر في معجزات الأنبياء عليهم‌السلام ، وتقف معرفة النبوّة والنظر في المعجزات على معرفة السمع ، فهذه حقيقة الدور ، وهو كما ذكره الرازي تكليف ما لا يطاق عندهم وهم يلتزمونه.

«والثاني» أي القول بعدم وجوب النظر في معجزات الأنبياء عليهم‌السلام «تصويب لمن أعرض عن دعوة الأنبياء عليهم‌السلام إذ لا واجب عليهم» يلزمهم الإتيان به «وذلك كفر لأنه ردّ لما جاءت به الرسل وما علم

__________________

(١) (ض) مقدور.

(٢) (ض) والنّظر.

(٣) محمد (١٩).

(٤) يونس (١٠١).

(٥) (ض) وهو.

٧١

من دين كل نبيء ضرورة» أي وردّ لما علم من دين كل نبيء بضرورة العقل.

قال «أئمتنا عليهم‌السلام والجمهور» من المعتزلة وغيرهم : «وهو» أي النظر الموصل إلى معرفة الله سبحانه «فرض عين» يجب على جميع المكلفين من رجل وامرأة وحرّ وعبد لما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وقال أبو إسحاق النصيبيني وهو «ابن عياش و» أبو القاسم «البلخي و» عبيد (١) الله بن الحسن «العنبري ورواية عن القاسم» بن إبراهيم «عليه‌السلام» مغمورة «ورواية عن المؤيد بالله عليه‌السلام» غير صحيحة «بل» النظر المذكور «فرض كفاية ، ثم افترقوا في» كيفية «التقليد : فابن عياش والعنبري وغيرهما ورواية عن المؤيد بالله عليه‌السلام» غير صحيحة «أنه يجوز مطلقا» أي لم يشترطوا تقليد المحق بل أطلقوا.

قال عليه‌السلام : وقال أبو القاسم «البلخي» وهو الكعبي «ورواية عن القاسم عليه‌السلام» أنه «يجوز تقليد المحق» وروى القرشي عن ابن عياش وأبي القاسم الكعبي أنه يجوز للعوام تقليد المحق.

قال : وروي عن القاسم عليه‌السلام جواز تقليد المحق مطلقا أي أطلق ولم يقيّده بالعوام.

قال : وقال قوم : التقليد جائز في حق كل عاقل فلا تجب المعرفة.

وقال قوم : يكفي الظن بصانع العالم ولا حاجة إلى العلم.

وروى الإمام يحيى عليه‌السلام في الشامل عن العنبري أنه يصوّب أهل القبلة في جميع معتقداتهم في الديانة انتهى.

وقد بسطنا الكلام في هذا الموضع (٢) في الشرح فليطالع.

ولعل الرواية عن القاسم عليه‌السلام لا تصح لأنه قال في كتاب

__________________

(١) (ض) عبد الله : لكن في نسختي المؤلف عبيد الله.

(٢) (أ) المكان.

٧٢

العدل والتوحيد : فهذه جملة التوحيد المضيّقة التي لا يعذر عن اعتقادها والنظر في معرفتها عند كمال الحجة أحد من العبيد ، فمن مكث بعد بلوغه وكمال عقله وقتا يكمل فيه معرفة العدل ويمكنه فتعدّى إلى الوقت الثاني وهو جاهل بهذه الجملة فقد خرج من حد النّجاة ووقع في بحور الهلكات حتى يستأنف التوبة ، ويقلع عن الجهل والغفلة بالنظر في معرفة هذه الجملة انتهى.

قال عليه‌السلام «قلنا» في الجواب عليهم «لم يكن الله تعالى مطابقا لكل اعتقاد» حتى يجوز التقليد في معرفة (١) الله تعالى ، وقد علم اختلاف أهل المذاهب في عقائدهم «فالمخطي» في اعتقاده «جاهل به» أي بالله تعالى «والجاهل به تعالى كافر إجماعا ، وتقليد الكافر في كفره كفر إجماعا» بل هو أقبح من كفر الكافر من جهتين : الجهل بالله تعالى ، وتقليد الكافر في كفره ، والتقليد مطلقا مذموم عقلا وسمعا.

«و» أما قول من قال : إنه يجوز تقليد المحق فالجواب عليه أن نقول «لا يحصل العلم بالمحقّ إلّا بعد معرفة الحق» كما قال علي عليه‌السلام للحارث ابن حوط : (يا حارث (٢) إنه لملبوس عليك إن الحقّ لا يعرف بالرجال ، وإنما الرجال يعرفون بالحق فاعرف الحق تعرف أهله ... إلى آخره).

«ولا يعرف الحق إلّا بالنظر» والاستدلال «فيمتنع التقليد حينئذ» قال الإمام يحيى عليه‌السلام في الشامل :

اعلم : أن الناس بالإضافة إلى معرفة الله سبحانه على خمس مراتب :

المرتبة الأولى : الإقرار بها باللسان من غير اعتقاد لها لا عن دلالة ولا غيرها بل نطق باللسان فقط ، وفائدة الإقرار هي البراءة عن الشرك وإحراز الرقبة عن القتل وتحصين الأموال عن الأخذ إلّا بحقها ويثبت لقائلها أحكام الإسلام في الظاهر وحسابهم على الله تعالى.

قلت : ولا شك في هلاك هذه الطائفة.

__________________

(١) (ض) فى معرفته تعالى.

(٢) (أ) يا حار.

٧٣

قال : المرتبة الثانية : اعتقاد مضمون هذا الإقرار بالتقليد وهذه حالة (١) كثير من الخلق ممن قصر عن بلوغ مراتب النظر والوصول إلى حقيقته ، قال : وهؤلاء هل يكونون سالمين في الآخرة أم لا؟

فيه خلاف بين المتكلمين فالأكثر منهم على أنهم ناجون ، ومنهم من قطع بهلاكهم.

قال : والمختار عندنا أنهم ناجون لأنهم مصدّقون بالله تعالى وبرسوله واليوم الآخر وجازمون بصحة هذه الأمور ، وإن عدموا السكون للقلب والطمأنينة له.

المرتبة الثالثة : العلم بهذه الأصول على سبيل الجملة ، وهذا هو الذي يكون من أصحاب الجمل فإنهم يعلمونها بأوائل الأدلة ومبادئها وهذا كاف في إحراز المعرفة في حقهم ، فإذا علم أحدهم ما (٢) يحصل في العالم من أنواع الحوادث والأمطار وأصناف الحيوانات وأنواع الثّمار والنبات وجريّ الشمس والقمر واختلاف الليل والنهار وغير ذلك ممّا به يعلم بالضرورة أنه لا بد لهذه الأمور من صانع ومؤثر على القرب ، لأن العلم بالصانع هو علم قريب يحصل بأدنى تأمّل وهكذا القول في سائر صفاته نحو القادرية والعالمية وما يجب له ويستحيل عليه ، فإن علمهم الجملي كاف في حقّهم لأن الخوض في تفاصيل هذه العلوم يتعذّر تحصيله على أكثر الخلق ..

المرتبة الرابعة : العلم بمقدّمات النظر بحقيقة ذاته وصفاته وحكمته وصدق رسله على سبيل التفصيل ، وأنه تعالى واحد لا شريك له وهذه الحالة هي حالة العلماء والأفاضل الذين توصّلوا بحقائق الأدلة وأنوار البراهين فحصلوا على انشراح الصدور وطمأنينة النفوس وهؤلاء هم قليلون.

المرتبة الخامسة : وهي الوصول إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته بالعلوم الضرورية التي لا يعترضها الشّك ولا يعتريها الرّيب ، وهذه هي درجة المقربين.

__________________

(١) (أ) حال.

(٢) (ض) بما.

٧٤

وقد منع أكثر المتكلمين عن أن يكون العلم بالله ضروريّا في الدنيا مع استكمال التكليف وهذا لا مانع منه ... إلى آخر كلامه عليه‌السلام تركته لطوله وقد استوفيناه في الشرح.

(فصل)

«والدليل لغة» أي في لغة العرب «المرشد» أي الموصل إلى المطلوب ومنه دليل القوم في الطريق «و» هو أيضا في اللغة «العلامة الهادية» إلى المطلوب كالنّصب والجبال والنجوم وهذا كالتفسير للأول.

«واصطلاحا» أي في اصطلاح أهل علم الكلام وغيرهم «ما به الإرشاد» أي الظفر بالمطلوب «النظري» أي الحاصل عن نظر وتفكر ليخرج نحو وجدان الضّالة بتتبع الأثر «ويمتنع معرفة ما لا يدرك ضرورة» أي بضرورة العقل يمتنع معرفته «بلا دليل» يدل عليه «لعدم الطريق إليه» إذ ما لا يعرف ضرورة لا يعرف إلّا بالنظر والاستدلال ، والنظر والاستدلال متوقف على الدليل «فمن ادّعى شيئا» لا يدرك ضرورة «ولم يذكر الدليل عليه فإن كان دليله» أي دليل ذلك الشيء «ممّا شأنه لو كان» أي لو ثبت في الحقيقة وفي نفس الأمر «لظهر لجميع العقلاء» ولم يختص به بعضهم لعموم التكليف بمعرفته في العلم والعمل «كمن يدّعي كون الصنم إلها» إذ لو كان الصنم إلها لظهر الدليل على ذلك لجميع العقلاء لوجوب معرفة الإله وشكره وطاعته عليهم جميعا «أو» كان دليل ذلك الشيء ممّا شأنه لو كان لظهر «لأهل الملّة» الإسلامية لعموم تكليفهم به أيضا علما أو علما وعملا «كمن يدّعي» وجوب «صلاة سادسة» فإن التكليف بها علما وعملا يعم جميع أهل الملّة الإسلامية ، فلو كان عليها دليل لم يخف عليهم ، فإذا كان ذلك الشيء المدّعى كما ذكرنا «فهو باطل قطعا» للقطع «بعدم الدليل عليه وإلّا لظهر لجميع العقلاء في الأول» أي في دعوى الصنم «ولأهل (١) الملّة في الثاني» أي في دعوى الصلاة السادسة لأنه لو لم يكن كذلك وجوّزنا دليلا خافيا لم يظهر لجميع العقلاء أو

__________________

(١) (أ) أو لا أهل الملة.

٧٥

لأهل الملّة لزم منه الإخلال بذلك الواجب والمعاقبة عليه وهو تكليف لما لا يطاق والله يتعالى عنه.

«فإن كان دليله ممّا ليس من شأنه ذلك» (١) أي الظهور لجميع العقلاء أو لأهل الملة لكونه ممّا لا يعم التكليف به لا علما ولا عملا «كالقول بتحريم أجرة الحجام» (٢) وحافر القبور ، أو لا يعم به التكليف علما فقط كالقول بأن مس الذكر ينقض الوضوء ونحو ذلك «فالوقف» أي فالواجب التوقف في ذلك فلا يحكم بحل الأجرة ولا تحريمها ولا بقاء الوضوء ولا انتقاضه «حتى يظهر الدليل عليه إن كان» عليه دليل في نفس الأمر «لجواز أن يطلع عليه بعض العلماء ويعزب عن غيره» لأنه لا يلزم من وجوده في نفس الأمر وخفائه على بعض الناس محذور ، «أو يظهر عدمه» أي عدم الدليل أي الأمارات الدالة على ذلك «إن لم يكن».

قال عليه‌السلام : «والاستدلال هنا هو التعبير عمّا اقتفي أثره» أي عن الشيء الذي اقتفي أي تتبّع أثره وأثره هو دلالته على ما دل عليه «وتوصّل به» أي عمّا اقتفى أثره وعمّا توصل به «إلى المطلوب» وهو المدلول عليه كما إذا قلت الصنع يدل على الصانع من جهة كيت وكيت «ويسمّى ذلك التعبير دليلا» وسلطانا وبرهانا «وحجة» يحتج بها «إن طابق الواقع» في نفس الأمر «ما توصل به إليه» أي إن طابق ما توصل به إلى المطلوب الواقع في نفس الأمر أي في حقيقته «وإلّا» أي وإن لم يطابق ما توصل به إلى المطلوب الواقع «فشبهة» أي ذلك التعبير الذي هو الدليل ينقلب شبهة ، وإنما سمّي شبهة لأنه أشبه الدليل وليس به «ويعرف كونه شبهة بإبطاله» أي بإبطال ذاته بأن يكون غير صحيح أو إبطال وجه دلالته «بقاطع» أي بدليل معلوم صحته «في القطعيّات والظنيّات معا» أي ما يجب فيه العلم كالعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا ومسألة الإمامة وكذلك ما علم دلالته من السمعيات كالنص الصريح من الكتاب أو السنة المتواترة والإجماع والقياس المعلومين ، وما يكفي

__________________

(١) (أ) ناقص ممّا ومن.

(٢) (أ) الخاتن والحجّام.

٧٦

فيه الظن إن تعذّر العلم كأبعاض الحج وأبعاض الصلاة ونحو ذلك.

مثال القطعي : ما يدّعيه بعض المعتزلة من أن الصفات في الشاهد والغائب أمور زائدة على الذات ليست الموصوف ولا غيره ولا شيء ولا شيء لأنه لا واسطة إلّا العدم ، ولأنّ المعلوم من لغة العرب : أن الصفة عرض يحل (١) في الموصول وهو غير الموصوف كالكرم والشجاعة ونحو ذلك.

ومثال الظني : ما يدعيه المخالف في مس الذكر أنه ينقض الوضوء واستدل في ذلك بخبر وهو «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» ونحوه فيبطل (٢) بإجماع أهل البيتعليهم‌السلام حيث ثبت أن إجماعهم حجة قطعيّة وإن لم يلتزمها الخصم أن مس الذكر لا ينقض الوضوء ونحو ذلك «أو ظني يستلزمه الخصم» أي يعرف كونه شبهة بدليل ظني يستلزمه الخصم «أو يدل على صحة كونه دليلا» دليل «قاطع» وهذا «في الظنيات» فقط.

مثال الأول : أن يستدل الخصم على جواز استقبال القبلة بالبول والغائط بما رواه ابن عمر أنه قال : اطّلعت على النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقضي حاجته محجور عليه بلبن وهو مستقبل القبلة.

بعد الاتفاق بيننا وبين الخصم أن النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد نهى قبل ذلك عن استقبال القبلة بالبول والغائط.

فنقول : إن صحة رواية ابن عمر ما دلت على الجواز لجواز أن يكون فعله في استقبال القبلة بالبول أو الغائط (٣) خاصّا به أو لعذر أو نحو ذلك لأن فعل النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم المعارض لقوله لا يكون نسخا لقوله العام للمكلفين على مذهب الخصم ، بل يكون فعله إمّا تخصيصا وإخراجا لنفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العموم أو نسخا في حقّه فقط ، أو تكون الحالة حالة ضرورية.

__________________

(١) (ب) تحل.

(٢) (أ) فنبطله.

(٣) (ض) بالبول والغائط.

٧٧

ومثال الثاني : أن يستدل الخصم على جواز أكل القريّط بظاهر قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (١) فيبطل قوله بالقياس على الخمر بجامع الإسكار ، والقياس وإن أفاد الظن في بعض الصور فإنه قد دل الدليل القاطع على وجوب العمل به كما هو مقرر في موضعه «لا بغيرهما» أي لا بغير الدليل القطعي ، والدليل (٢) الذي يستلزمه الخصم أو يدل على صحة كونه دليلا قاطع من سائر الأدلة التي ليست قطعية ولا يستلزمها الخصم ولا يدل على صحة كونها دليلا دليل قاطع مثاله : الاستدلال على وجوب الزكاة في القليل والكثير بالآية (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) (٣) وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «فيما سقت السماء وأنبتت الأرض : العشر».

فينقضه الخصم بخبر الأوساق ، فإن للخصم أن يقول خبر الأوساق آحادي وإن فرضنا صحته فلعله متقدم فيكون منسوخا وليس من مذهبي بناء العام على الخاص فيما التبس أيهما المتقدم ونحو ذلك.

«فإن كان» الدليل «المبطل به» بفتح الطّاء دليل الخصم «مانعا لكون المبطل» بفتح الطاء أيضا «حجة» للخصم ودليلا له «ولم يتضمن» أي ذلك الدليل الذي أبطل به دليل الخصم لم يتضمن «الإثبات لخلاف ما ادّعاه الخصم» بل تضمن إبطال دليل الخصم فقط «تعين كونه» أي المبطل بفتح الطاء «شبهة» توهّمها الخصم دليلا «ولا» تعيّن «ثبوت خلاف ما ادّعاه الخصم» أي ثبوت حكم يخالف ما ادّعاه الخصم إلّا بدليل يدل على ثبوته غير الدليل الذي وقع به إبطال دليل الخصم.

مثاله : الاستدلال على إمامة أبي بكر بالإجماع فيبطل الإجماع ، أو بأمر النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم له أن يؤمهم في الصلاة فيبطل ذلك بالفرق بين إمامة الصلاة والإمامة العامة فإن ذلك لا يدل على إمامة علي عليه‌السلام وغير ذلك.

__________________

(١) البقرة (٢٩).

(٢) (ض) والدليل الظني.

(٣) الأنعام (١٤١).

٧٨

«إلّا أن يكونا» أي الدليل المبطل به والمبطل بفتح الطاء فيهما «في طرفي نقيض» أي كان أحدهما يقتضي نقيض الثاني بحيث «إذا بطل أحدهما ثبت الآخر» كإبطال شبهة من جوّز الرؤية على الله تعالى ، وإبطال شبهة من زعم قدم العالم ، فإنه إذا بطل ثبوت الرؤية ثبت عدمها ، وإذا بطل قدم العالم ثبت حدوثه «وإن تضمّن» أي المبطل به «إثبات خلافه» أي المبطل بفتح الطاء «تعين كونه شبهة وتعين خلافه» نحو أن يستدل أبو حنيفة على أن الوليّ غير شرط في النكاح بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «الثيّب أحقّ بنفسها ..» الخبر.

فينقض ذلك بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «لا نكاح إلّا بوليّ وشاهدي عدل» ونحو ذلك.

قال «أئمتنا عليهم‌السلام والجمهور» من العلماء «ويصح الاستدلال على ثبوت الباري تعالى» ووجوده «بالآيات المثيرة» أي المظهرة «لدفائن العقول» أي لما كان مدفونا ومرتكزا في العقول «وهي زهاء» أي قدر وحول «خمسمائة آية» من القرآن الكريم ، وقد ذكر من ذلك القاسم والهادي وغيرهما من الأئمة عليهم‌السلام كثيرا وهي مع دلالتها على الذات تدل على الصفات وإن كان الاستدلال بها على صفات الأفعال يصح بلا خلاف.

وقال «أبو رشيد» وهو سعيد بن محمد النيسابوري «وبعض متأخري صفوة الشيعة» أي بعض الزيدية من الشيعة : «يصح» الاستدلال على ثبوت الباري تعالى «بالقطعي» من الآيات والسنة «مطلقا» أي سواء كان مثيرا لدفائن العقول أو لا.

وقالت «الإمامية والبكرية» من المجبرة وهم الذين اختصوا بأن الطفل لا يتألّم ، وأن إمامة أبي بكر منصوص (١) عليها نصّا جليّا وهم أصحاب بكر بن عبد الواحد «وبعض المحدثين» أي أهل علم الحديث «و» يصح الاستدلال على ثبوته تعالى «بالظني مطلقا» من الآيات وغيرها مثيرا وغير مثير.

__________________

(١) (أ) منصوصة (وناقص) عليها.

٧٩

وقال «أبو هاشم لا يصح بالجميع» لا الظني ولا القطعي لا من الكتاب ولا من السنّة «مطلقا» أي أثار أو لم يثر قال : لأن ذلك فرع على ثبوته تعالى وعلى صدق قوله.

«قلنا» جوابا على مخالفينا «ذلك» أي الاستدلال بالآيات المثيرة «دليل» واضح «على أقوى طرق الفكر الموصل إلى العلم اليقين بالمطلوب حيث ذكّرنا» أي ذلك الاستدلال «إيّاها» أي طرق الفكر القويّة ، ولو سلكنا غير هذه الطريق التي نبهتنا عليها الآيات المذكورة لما كان ذلك مثلها في الوضوح واليقين «فهو» أي الاستدلال بالآيات المذكورة «دليل بالتدريج» وهي كونها منبهة على أقوى طرق الفكر فهي في الدرجة الأولى في الدلالة وصحّ (١) إطلاق اسم الدلالة عليها «كالدليل على كونه تعالى حيّا» فإنه دليل بالتدريج عند أبي هاشم وهو كونه قد صحّ منه الفعل ، وصحة الفعل مترتبة على كونه تعالى قادرا ، والقادر لا يكون إلّا حيّا ، فصحة الفعل درجة أولى والقدرة درجة ثانية ، وهذا ردّ على أبي هاشم ومن تبعه.

وأما الرد على غيره : فقد أوضحه عليه‌السلام بقوله :

«والظني إن كان كذلك» أي مثيرا ومنبّها (٢) للعقل «فصحيح» أي القول بصحة الاستدلال به على التدريج الذي ذكرنا صحيح «و» أمّا «غير المثير» فهو «دور» لتوقف معرفة الآيات غير المثيرة والانقياد لحكمها على معرفة الله سبحانه ، والفرض أن معرفة الله سبحانه إنما حصلت بها وهذه حقيقة الدور. إلّا أن يقال : إن أصل معرفته تعالى جملة ضرورية كما سبق.

وقد قال القاسم بن علي العياني عليه‌السلام في كتاب الأدلة من القرآن على توحيد الله وصفته : ولا بدّ من معارض لنا في علم القرآن ممن اكتفى بأفانين الكلام ، وجعل من ذلك دليلا على الرحمن يقول : إن القرآن لا يغني علمه عن النظر فإذا قال ذلك قائل قلنا : فالنظر دلّتك عليه نفسك أم دلّك عليه خالقك في منزل كتابه ، فإن قال : إن نفسه دلته على ذلك من قبل دلالة

__________________

(١) (ب) فصحّ.

(٢) (ض) أي مثيرا أو منبها للعقل.

٨٠