🚖

ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
ISBN: 964-8629-12-9
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

كثيرة ! ولم أظن يوماً أن الذي يدعونه بالعادل يفعل هذا.

وقلت : ماذا فعل هذان الرجلان بالأمة الإسلامية ؟ لقد قلبوها رأساً على عقب ، وغيّروا الموازين ، كل هذا الذي كتبته هو نتاج مراجعات لمصادر تاريخية محققة بل ومثبتة ، وقد توصلت في نهاية المطاف إلىٰ نتيجة سأذكرها فيما بعد.

ولكن قبل ذلك أسجل لكم اعترافاً وجدته في كتاب ابن الأثير لعمر بن الخطاب أمام عبدالله بن عباس :

قال عمر : يا ابن عباس ، أتدري مامنع قومكم منكم بعد موت محمد ؟

قال ابن عباس : فكرهت أن أجيبه ، فقلت : إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يُدريني.

فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.

قال ابن عباس : يا أمير المؤمنين إن تأذن لي بالكلام وتمط عني الغضب أتكلم.

فقال عمر : تكلم.

قال ابن عباس : أمّا قولك ... أن قريش اختارت لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ، وأمّا قولك : إنهم أبوا أن

١٤١

تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية ، فقال : (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)...

فقال عمر : هيهات والله يا ابن عباس أبت والله قلوبكم يابني هاشم إلّا حسداً لا يزول.

فقلت : مهلاً... لا تصف بهذا قلوباً أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً (١) ، انتهى.

أقول : هذا الاعتراف كشف لي بصورة واضحة عقيدة هؤلاء ومستوى تفكيرهم ومشاعرهم نحو أهل البيت عليهم‌السلام والرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتبيّن لي أن القوم كانوا يدبرون من قبل مرضه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما بدأ يعلن بأحاديثه الخاصة والعامة خلافة الإمام علي عليه‌السلام من بعده : كحديث الإنذار ، وحديث الطائر المشوي ، وحديث المنزلة ، والمباهلة ، والتطهير ، وآخرها حجة الوداع وبيعة الغدير.

ثم كيف يقول عمر : «قد اختارت قريش لنفسها فأصابت» ، والله سبحانه وتعالىٰ يقول : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) (٢).

وباعترافه هذا دلّ علىٰ أن الترتيبات الإلهية والنبوية كافةً لا

_____________

(١) الكامل في التاريخ : ٣ / ٦٣ ، وغيره.

(٢) الأحزاب : ٣٦.

١٤٢

يعترف بها ، وهو أعلم بهذا من أي أحد ، فجرأته في حجرة المصطفىٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورفع شعار : «حسبنا كتاب الله» لم يكن إلّا مداراة لأفعال يخطط لها ، واعترافه هذا بيّن ذلك أيضاً.

هذه الأمور أيقظتني وبيّنت لي مدى حجم مأساة أهل البيت عليهم‌السلام وأمتنا الإسلامية التي تعيش تحت نير تعتيم وتضليل ضمن هالة قداسة الصحابة.

فلا قدسية لصحابي خالف أقوال الله وأمره ، ولا قدسية لمن كذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتجرأ عليه وعلى أهل بيته عليهم‌السلام ، بل لا قدسية لمن ضلّل أمة بكاملها طيلة أربعة عشر قرناً ونيف.

أعلام السنة ومثقفوهم :

بعد أن خرجت من موجة التساؤلات ، واستقر فكري وقلبي على قاعدة صلبة لا تعتيم فيها ولا تضليل ولا شعارات زائفة ، وهي موالاة أهل البيت عليهم‌السلام والبراءة ممن أسس وسبب الظلم عليهم ، بدأت أنهل من بحر فكر أهل البيت عليهم‌السلام ، محاولاً الحصول على كل كتاب ينمي فكري ويزيدني تبصراً في النهج الذي ارتضاه الله عزّ وجلّ لي ، وأخذت أناقش بعض الشباب حول العديد من القضايا ، وأهمها الأحاديث الضعيفة والمدسوسة ومصداقيتها في الصحاح.

فلا قدسية لكتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالىٰ ، وكل حديث لا

١٤٣

يوافق كتاب الله والسنة النبوية الصافية وأقوال أهل البيت عليهم‌السلام أرده على صاحبه وراويه ، وما أكثر هذه الأحاديث.

كما جرت لي بعض اللقاءات والمراسلات مع بعض أعلام السنة ، فكنت أناقشهم في تلك الأحاديث المختلقة وأعمال الصحابة بين مؤيد لأوامر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين متجرأ عليه ، وكان أوّل لقاء لي مع شيخ من أحد أقربائي ، وهو الشيخ أبو فيصل بدران.

مع الشيخ أبي فيصل بدران :

يُعَدّ شهرُ رمضان المبارك شهرَ الخيرِ والرحمة ، وكان أول يوم يبدأ فيه هو الجمعة ، فتجهزت لحضور خطبة الجمعة عند قريبي الشيخ أبي فيصل ، ووصلت وبعد صلاة عدد من ركعات النافلة أذن الأذان الثاني وظهر الشيخ على المنبر المرتفع أمتاراً عن الأرض ، وبعد قول المقدمة المتعارف عليها عند أهل السنة أخذ يتحدّث عن شهر رمضان ومكانته الرفيعة عند الله عزّ وجلّ ، وبدأ يسرد فضائله والواجبات التي يجب أن يقوم بها كلّ مسلم فيه ، واسترسل في الحديث ، فذكر أهمية صلاة التراويح وفضلها وأنها خير الأعمال ، وأنّ الرعيل الأوّل كان لا يتوانى عن إقامتها ولو كان الجوّ ماطراً أو فيه رياح عاصفة ، وهي خير الصلوات بعد المكتوبة ، وتحدّث عن أخلاقيات هذا الشهر الكريم وفضله وأنه يجمع العائلة في وقت

١٤٤

واحد وعلى مائدة واحدة ، ومن ثم انهى الخطبة وأقام الصلاة.

بعد ذلك بدأ الناس بالخروج من المسجد تباعاً ، فقررت أن أنتظره حتى ينهي نوافله ، ثم تقدّمت إليه مسلّماً داعياً له بالخير ، فرحب بي ، وكان يقف إلىٰ جانبه أحد أصدقائه الملازمين له ، فتعارفنا وتحدثنا بعض الأحاديث حول أحوال المسجد ، وأنه سيكلفني باعادة صيانة بعض الخطوط الكهربائية ، وعدّد لي ما ينقص من أدوات وقطع يجب تأمينها لصالح المسجد ، فوافقت على ذلك بكل سرور ، ورأىٰ أنّ هناك أمراً يشغلني !

فقال لي : يبدو أنك ستطرح سؤالاً ما ؟

ثم أردف قائلاً لي : نذهب سوية إلى المنزل ونرىٰ ماذا لديك من أسئلة.

وترافقنا نحن الثلاثة إلىٰ منزله ، وعندما وصلنا وقدم الماء لنا بادرته بالسؤال التالي :

فقلت : بما أنك تكلمت عن فضل شهر رمضان المبارك وفضل صلاة التراويح ، هل يوجد نصّ بسن صلاة التراويح جماعة ؟

الشيخ أبو فيصل : صلاة التروايح موجودة أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومازالت إلى الآن شعيرة إسلامية جيدة ، تجمع الناس على وقت واحد وعدد من الركعات ، ولا يحضرني الآن نص أكيد على ذلك.

قلت : حسب مطالعاتي أنّها لم تُقَم بصورة جماعة في حياة

١٤٥

الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يذكر لنا التاريخ أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع الناس على قارئ واحد في صلاة النافلة ، بل الذي ثبت أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «صلوا أيها الناس في بيوتكم ، فإن أفضل صلاة للمرء في بيته إلّا الصلاة المكتوبة» (١) هذا الحديث عن طريق زيد بن ثابت رضي‌الله‌عنه ، وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم» (٢) ، ولم أجد أنا أيَّ نص من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على جمع الناس في النافلة على إمام واحد.

الشيخ أبو فيصل : لكن لا يخفىٰ عليك أن الخليفة عمر كان رجل نظام وحزم وإدارة ، وأراد تنظيم الناس في هذه النافلة ليحصل لهم روحانية مطلقة ، ورأى أن فيها فائدة إجتماعية أيضاً وهي سنة حسنة ، وقيل : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «من سن سنة حسنة كتب له أجر عمله ومن عمل بها دون أن ينقص من أجر أحد».

قلت : (مقاطعاً) : ياشيخنا أنت بهذا القول تبين أن عمر بن الخطاب أفضل من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! حاشا الرسول من ذلك ، فأنت تقول أنّه رجل نظام وحزم ، وهل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن رجل نظام وحزم ؟!

_____________

(١) مسند ابن عوانه : ٢ / ٢٩٤ ، مسند عبد بن حميد : ١١١٠ (٣٥٠) ، صحيح مسلم ، كتاب صلاة المسافرين : ١ / ٤٥٢ (٧٨١).

(٢) صحيح ابن خزيمة : ٢ / ٢١٣ (١٢٠٧) ، مستدرك الحاكم ، كتاب صلاة التطوع : ١ / ٤٢٣ (١٢٠٧).

١٤٦

وهل عمر يرىٰ مصلحة الأمة أكثر من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وماهي الفائدة الاجتماعية ؟! أنظر لحال أمتنا اليوم والناس كل منهم يأخذ زوجته أو ابنته إلى المسجد ، هل دخول المساجد للنساء فقط في شهر رمضان والباقي من الأشهر ممنوع أو حرام كما يقال عند بعض المشايخ : المراة لا يجوز لها الدخول إلى المساجد ، فكيف إذن كانت النساء تأتي إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في المسجد ، وكيف كانوا يذهبون للقضاة الذين كان مركزهم هو المسجد ؟.

ثم إنك تقول إنّها سنّة سنّها عمر وهي حسنة وعمر نفسه يقول : هذه بدعة ، أو نعمت البدعة هذه ! والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (١) ، فأين السنة الحسنة في ذلك طالما أن كل الصحابة يعترفون بأن هذه الصلاة لم تكن موجودة أيام الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا حتى زمن أبي بكر (٢) ، ولا أوّل الليل ولا تحديد لعدد الركعات (٣).

والغريب في الأمر أنّ أهل السنّة تركوا سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واتبعوا سنّة عمر ، بل رفضوا تشريع الله سبحانه وتشريع رسوله

_____________

(١) سنن النسائي ، باب صلاة العيدين : ١ / ٥٥٠ (١٧٨٦).

(٢) إرشاد الساري للقسطلاني ، كتاب صلاة التراوح : ٤ / ٦٥٥ ، فتح الباري للقسطلاني ، كتاب صلاة التروايح : ٤ / ٣١٧ (٣٠١٣).

(٣) الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ، صلاة التراويح : ٢ / ٣٤٠.

١٤٧

الكريم واتبعوا تشريع عمر ، الذي ظل عاكفاً على الأصنام فترة كبيرة حتى أعلن إسلامه ، وما أكثر تشريعات عمر التي جاء بها بعد وفاة مولاه وسيده رسول الله ، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١).

الشيخ أبو فيصل : إنّ الخليفة عمر اجتهد وله أجر ، ولو فرض أنه أخطأ فالمجتهد الذي يصيب له أجران والذي يخطىء له أجر واحد ، وأنت لا تعرف أعمال عمر العظيمة ، فهو مكمل لنهج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قلت : لا اجتهاد مقابل النصّ ، فالاجتهاد هو بذل الجهد أو الطاقة لعمل ما ، والنصّ هو كتاب الله القرآن الكريم والسنة الشريفة ، وما فعله عمر لا يطابق النصّ ، بسبب أنه لا وجود نصّ على صلاتنا هذه ولا السنة أكدت على ذلك ، بل العكس تماماً.

وقولك بأنه اجتهد وأخطأ وله أجر على ذلك ، هذا شعار رُفِع من قبل السلطات الجائرة لتبرير جرائم بعض المستغلين والحاقدين باسم الاسلام ، فالاجتهاد موجود لاستنباط أحكام شرعية من القرآن الكريم أو السنة ، أو حتى حكم شرعي قديم بحاجة لتطوير حسب متطلبات العصر دون المساس بالقاعدة الأساسية.

الشيخ أبو فيصل : من أين لك هذه الأفكار ، وكيف حصلت على

_____________

(١) الاحزاب : ٣٦.

١٤٨

هذه الأحاديث ، هل التقيت أخيراً مع أحد ؟!

ثم همس صديقه المرافق له باذنه ، ثم نظر إليّ.

قلت : إنّ هذه الأفكار هي من فضل الله عليَّ ، ومن خلال قراءتي واستيعابي لبعض القضايا ومناقشة أهل العلم.

الشيخ أبو فيصل : علينا أن لا نخوض أكثر بالنقاش ، وأظن أنك تسلك نهجاً مغايراً لنهجي ، فأرجو أن لا نتوسع بالنقاش أكثر.

تبيّن لي فيما بعد أن صديقه أخبره بأن قريبك الشاب قد تشيع ، وقد ناقش مرّة الشيخ عبدالله وكادا أن يصطدما ، فأرجو أن تغلق الحوار معه.

غادرت من عند الشيخ آسفاً ، لأنّه تهرّب من الحوار ، ولم يحاول أن يبيّن الأدلة التي يعتمد عليها فيما يذهب إليه.

١٤٩

١٥٠

حوار مع صديقي الوهابي :

ذات يوم من شهر رمضان الكريم قرع جرس باب بيتنا ، فأردت فتح الباب ولكن والدي كان بقرب الباب ، فسبقني وفتح الباب ، وإذا بشخص ذي لحية طويلة لابساً جلباب (جلّابيه) يسأل عني ، فلم يعرفه والدي ودخل إلىٰ غرفتي وأخبرني عن وجود شاب متدين (ووصفه) يسأل عني.

قلت في نفسي : إذا كان الشيخ هشام فهو سيفصح عن اسمه ، وثانياً والدي يعرفه.

خرجت إلى الباب ورأيته ورحبت به ، ولقد عرفته ذلك الشاب الذي زارني وتحدث معي حول الشيعة وحذرني منهم حين كان يوماً يزور أحد مشايخ المنطقة ، وهو الآن عاد لزيارتي بحلّة جديدة ، لحية طويلة ولباس ما يسمّىٰ بـ (دشداشة ، أو جلابية) قصيرة.

فسألته قائلاً : مالي أراك بعد غياب طويل تعود لزيارتي بهذا الشكل ، ماذا حدث لك أخبرني ؟!

الصديق : الآن دعك مني فأنا في خير حال ، ولكن أنت ، لقد قمت

١٥١

بزيارة الشيخ عبدالله وإذا به يخبرني عن شاب في المنطقة تشرّب ببعض الأفكار المسمومة ، وعندما استفسرت عن ذلك الشاب عرفت أنه أنت ، ماذا جرى لك ؟ لم أتصور أنّ الأمور تصل بك إلى هذا الحدّ بحيث تجادل الشيخ في المسجد ، وهل صحيح أنك تشيعت كما يقال عنك ، وماهو السبب لذلك أخبرني هداك الله ؟

قلت : بالنسبة لي أنني في أفضل حال والحمد لله ، وقد أتاني الله فضلاً كبيراً ، وأما أمر الشيخ عبدالله فأنا ناقشته ببعض الأمور للاستيضاح ، وهو تململ ونبذني وأراد الإساءة إليَّ بمحضر طلابه ، أما السبب فهو ابن كثير في كتابيه الأول «النهاية في الملاحم والفتن» والثاني «البداية والنهاية» ، فمن النهاية وجدت طريقي إلى البداية الصحيحة والتمسك بحبل الله المتين والعترة النبوية المطهرة.

الصديق : كتاب الله آمنّا بذلك ، ولكن العترة هذا شيء لا أدري ما أقوله لك ، لن ينفعك إلّا عملك والابتعاد عن الشرك ، وعن ناس هم عباد لله لا ينفعون ولا يضرون شيئاً ، وإيّاك والشرك.

قلت : منذ متى وأنت موجود داخل هذا التيار مع الشيخ عبدالله ؟

الصديق : كنت أزور الشيخ زيارات متقطعة ، ولكن من ثلاثة أشهر تقريباً أراد تكليفي بمهمة الدعوة في «دمشق» مع بعض الأخوة ، وإنه سوف يساعدني في حلّ بعض الأمور.

قلت له : بالنسبة لكلامك السابق أنا معك ، إنّ الإنسان لا يملك

١٥٢

لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا حياة ولا نشوراً ، هذا دائماً دعاء ندعو به عقب صلاتنا ، أما بالنسبة للعترة الطاهرة فهم عباد مكرمون عند الله عزّ وجلّ ، وقد طلب منا الله سبحانه أن نحبّهم ونتمسك بهم كما أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا بذلك.

الصديق : لا تتقول شيئاً على الله عزّ وجلّ ، هذا لا يجوز ، وليس هناك طلب بذلك ، من قال هذا لك ؟

قلت : أنا لا أتقول على أحد ، ولكن هل تؤمن بالقرآن الكريم حجّة ؟

الصديق : نعم ، كيف لا ، ولكن لا تتعب نفسك ، لا يوجد مثل ما تقول به.

قلت : إصبر قليلاً أنا لن أتعب نفسي ولا شيء ، سأعطيك كتاب الله وأقول لك السورة ورقم الآية وتفتح عليها ، وهي سورة الشورىٰ آية ٢٣.

قال ـ وهو يتأمل القرآن الكريم ومن ثم يفتحه ـ : هل هذا القرآن سني أم شيعي ؟

قلت وأنا مبتسم : يا أخي لا يوجد قرآن شيعي أو سني ، هو كتاب واحد أنزله الله سبحانه على رسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم إقرأ لي الآية وبصوت عالي.

الصديق : (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن

١٥٣

يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ) (١) ماذا بها ؟! القربىٰ هم الأقارب ، والأهل علينا أن نحبّهم ونساعدهم.

قلت : لن أقول لك ماذا أجمع عليه مفسّروا الشيعة ، ولكن أنقل لك ما في تفاسير أهل السنة الذين اتفقوا على أنّ هذه الآية نزلت في قربىٰ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، هم أقرب الناس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبشأن الحسنة الواردة في سياق الآية : هي موالاتهم ومودتهم ، وسأنقل لك من أحمد بن حنبل حديث يفسرّ ذلك.

الصديق : في مسند أحمد بن حنبل موجود تفسيرها ، غير معقول !

قلت : إنّ أحمد بن حنبل له كتاب «فضائل الصحابة» ، وقد ذكر هو والطبراني عن ابن عباس ، قال : «لما نزلت ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليّ وفاطمة وإبناهما» (٢).

وهذا الحديث ما أكثر من أخرجه : كالسيوطي في الدر المنثور ، والزمخشري في كشافه ، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبىٰ ،

_____________

(١) الشورىٰ : ٢٣.

(٢) فضائل الصحابة : ٢ / ٦٦٩ (١١٤١) في فضائل علي عليه‌السلام ، المعجم الكبير للطبراني : ٣ / ٤٧ (٣٦٤١).

١٥٤

والشبلنجي في نور الأبصار (١) وابن حجر في الصواعق ، وغيرهم كثيرون.

الصديق : أنا عندي كتاب «معجم الطبراني الكبير» سأبحث عنه ، ولكن أظن أنكم تقولون هذا لتبينوا للناس أنهم قرابة الرسول.

قلت : إنّ من قبلك وفي محضر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالوا نفس الكلام الذي تقوله : إنّه مايريد إلّا أن يحثنا على أقاربه ، فهبط جبرئيل عليه‌السلام على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخبره أنهم اتهموه بأنه يحاول أن يرفع منزلة أهله ويقرب الناس إليهم ، فأنزل الله سبحانه : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى الله كَذِبًا ) (٢) ، فنادى الناس : يا رسول الله إنك صادق ونشهد بذلك ، فنزلت الآيه الثانيه : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) (٣).

وتأمل يا أخي ثلاث آيات متتالية في نفس السورة ، الأولى تأمر الناس بالاتباع ، والثانية تخبر الناس أنّ الله قد علم ما وَسوست أنفسهم به ، والثالثة أن الله قبل توبتهم بعد أن اعتذروا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

_____________

(١) الدر المنثور : ٥ / ٧٠١ ، الصواعق : ٢ / ٤٨٧ باب الآيات الوارده في آل البيت ، ذخائر العقبىٰ : ٢٥.

(٢) الشورى : ٢٤.

(٣) الشورىٰ : ٢٥.

١٥٥

وتابوا ، فتأمّل (١) !

ثم جاء وقت الأذان والصلاة..

فقلت : اللّهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد أن تصلّي على محمد وآل محمد ، وأن تغفر لي وتهديني وإخواني الصراط المستقيم.

فنهض صديقي وكشف عن وهابيته قائلاً : ماذا أسمع ، أتتوسل برسول الله وأهل بيته ؟! هذا لا يجوز أبداً .

قلت : أنا أعذرك لقولك هذا ، لأنك تجهل الكثير من الحقائق ، وتأخذ الأحاديث حشواً دون استبانة ، فهل سألت نفسك ، هذا الشيخ من أين جاء بهذا الحديث أو تلك الرواية ؟

طبعاً هذا ما جرىٰ معي في السابق ، ولكن الله سبحانه قيض لي من يساعدني ويرشدني إلى الصواب وطريق الحق ، كما أرجو أن تستمع إليَّ وتتأكد من كلامي بما هو موجود عندك من الكتب أو أي طريقة تراها مناسبة ، وأنا لا أضغط عليك حتى تقتنع فهذا شأنك ، أريد أن أبيّن لك بالدليل والحجة كيف أنّ التوسل جائز من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّاً وميتاً ، ومن ثم أهل بيته الطاهرين ، وحتى الصالحين.

وهذا عمر بن الخطاب توسل بالعباس عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

_____________

(١) تفسير الدر المنثور للسيوطي : ٥ / ٧٠١.

١٥٦

وبالنبيّ الأكرم عندما قحط وحبس عنهم المطر ، قال : «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» (١).

أضف إلى ذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٢) ، وقال أيضاً : «من حج فزار قبري في مماتي كان كمن زارني في حياتي» (٣) ، راجع الدارقطني للتأكد من كلامي.

بهت صديقي لما قلته ولم يحر جواباً.

إنّ مشكلتنا هو التقليد الأعمىٰ ، والله سبحانه محذرنا من هذا التقليد الأعمى ، لأنه لا يؤدي بنا إلّا إلى التهلكة والعياذ بالله.

طبعاً جرت مناقشة طويلة مع صديقي الوهابي بعد ذلك في تلك الليلة دامت أربع ساعات ، ومن ثم عاود في اليوم الثاني ومعه صديق له ، وذلك لأنه رأىٰ قوة الأدلة التي أبيّنها ، وهذه الحوارات التي جرت تم تسجيلها على صفحات وسأجمعها وأجعلها في كتاب صغير مخصص للحوار مع الوهابية.

_____________

(١) صحيح البخاري ، كتاب الاستسقاء : ١ / ٢٤٢ (١٠١٠) ، وكذا في كتاب الفضائل ، وانظر : نيل الأوطار للشوكاني ، باب الاستسقاء : ٤ / ٨ (١٣٤٧).

(٢) سنن الدارقطني ، كتاب الحج ، باب المواقيت : ٢ / ٣٧٨ (١٩٤) ، وغيره.

(٣) مجمع الزاوئد للهيثمي ، باب زيارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ٤ / ٢.

١٥٧

١٥٨

وقفة مع الدكتور شوقي أبو خليل :

غريب من الإنسان أن يكون متناقضاً في فكره وفي كتاباته ، فمرّة تجده يكتب كتاباً يتحدث عن آراء يهدمها الاسلام وفي أوّل الكتاب يتمثل بأقوال المستشرقين والمفكرين الغربيين ، وفي آخر الكتاب ينصح الشباب العربي بعدم الاستماع إلى آراء المستشرقين ، فهو يحمل مبدأين ، وهذا يتنافى مع العقل.

وكتاباته دائماً يجعلها ردوداً على مؤلّفين يحاولون إظهار رؤية نظر الطرف الآخر ، وهو يقوم بالدفاع المستميت على أُمور انتهت وتكاد تكون محسومة ، لأن في عالمنا المعاصر كلّ إنسان واعٍ ومثقف يفكر بموضوعية وعقلانية حرّة بعيدة عن شوائب التعصب القبلي ، يجد أن الحق مع عليّ عليه‌السلام وأهل البيت عليهم‌السلام ، فمن يبحث في التاريخ بعقل حرّ يجد أن الإمام عليّ عليه‌السلام لاتوجد له أخطاء في أثناء حكمه أو حتى أوقات حكم أبي بكر وعمر وعثمان ، بل كان يقوم بتقويمهم عندما يتبيّن له اعوجاجهم ، وما أكثرها.

فتجد الإمام عليّ عليه‌السلام في فترة حكمه قد قضىٰ على الطبقية التي

١٥٩

صنعها وخلقها الخلفاء الذين كانوا قبله ، لأنه سار وفق نهج التشريع الإلهي والسنة المحمدية.

يقول الدكتور أبو خليل في كتابه «آراء يهدمها الاسلام» في قضية سقيفة بني ساعدة : «إنّ ماجرىٰ يجري في كل دولة حكمها شوري ديمقراطي» (١).

أسأله : أين الشورى في بيعة أبي بكر ؟! وكان الكثير من الصحابة غائبين عن مسرح السقيفة ، وعدد آخر كان موجوداً لكنه معارض. وهم من المهاجرين ومن الأنصار ، حتى أن التصويت لم يتم ، كلّ ما تم أنّ عمر أخذ بيد أبي بكر ودعا الناس إلى بيعته ، وعمر بنفسه يعترف بعد ذلك قائلاً : «كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه» (٢) ، فلماذا يقتل من عاد لمثلها يادكتور إذا كانت البيعة شورىٰ كما تدعي ؟

وأين الديمقراطية التي تنادي بهـا وقد طرح سـعد بن عبادة أرضاً وكاد أن يداس بالأرجل لولا أفراد قبيـلته حالوا دون ذلك (٣) ؟ وبعدما تمت البيعة قتـل لعدم رضـائه على ما تم فيها

_____________

(١) آراء يهدمها الاسلام : ٧٢.

(٢) صحيح البخاري ، كتاب المحاربين : ٤ / ٢٨٨ (٦٨٣٠) ، الصواعق المحرقة : ١ / ٣١ ، وغيرهما.

(٣) مسند أحمد : ١ / ٥٦ (٣٩١) ، تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٨٣.

١٦٠