ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-8629-12-9
الصفحات: ٢٦٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وادعوا أن الجن قتله (١) !

متى كان الله سبحانه يسلّط على البشر مخلوقات غيبية تقتل عباده من دون وجه حق ؟

لقد افتروا على الجن ولصقوا التهمة بهم ليتهربوا من المسؤولية.

ولما أرادوا قتل الحباب بن المنذر ، وقد قال له عمر : «إذن يقتلك الله» ، وذلك بعدما طلب الحباب من الأنصار أن لا يبايعوا (٢) ، فهل هذه هي الديمقراطية التي تدعي أنها وقعت أثناء السقيفة !

ثم ياحملة الأقلام لماذا لا تذكرون الحقيقة بصورة كاملة ؟ ولماذا يا دكتور تتهرب من الأخبار والمصادر التي ذكرت استخفاف هارون الرشيد بالمسلمين وظلمه لأهل البيت عليهم‌السلام وللإمام موسىٰ بن جعفر عليه‌السلام والطالبيين ، وتقول : «هذا من دسّ أبو الفرج الأصفهاني» !!

إذا كان الأمر كما تقول ، فهذا تاريخ الطبري وابن الأثير الذي تستند عليهما في توثيق رواياتك يذكرون حادثة السقيفة كاملة وماجرىٰ فيها ، وأنا لم أحضر شيئاً من عندي ، كما أنّ الصحاح كافة ذكرت ماجرىٰ بالسقيفة ، وكذا كتب السير مثل : «مروج الذهب» ،

_____________

(١) تاريخ ابن خلدون : ٢ / ٢٩٤ ، أُسد الغابة لابن الأثير : ٢ / ٢٨٤ ، مجمع الزوائد للهيثمي : ١ / ٢٠٦ ، وغيرها.

(٢) تاريخ الطبري سنه ١١ هـ : ٣ / ٢٠٣ ، الكامل لابن الأثير سنة ١١ هـ : ٢ / ٣٢٥.

١٦١

و «البداية والنهاية» ، و «الإمامة والسياسة» ، وغيرها.

ويقال : إنّ عمر أثناء خلافته هو أوّل من أوجد العسس أي الجواسيس.

وأنا أقول : صحيح هو أوّل من أوجد وظيفة العسس ، ولكنه في الواقع أوجدها أثناء خلافة أبي بكر ، لأنه أولاً أراد معرفة ما يحدث من أمور في بلاط بني قحافة وما يقول الجمهور عن البيعة ، وثانياً : إنّه أرسل وراء سعد بن عبادة عسساً ليعرف أين استقر حتى قام بقتله بعد ذلك !! فسعد لم يرحل من دون ضجيح كما قلت يادكتور.

وأخذ البيعة من الناس ، والشاهد على ذلك قدوم أصحاب السقيفة إلىٰ مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن ورائهم المتحالفون معهم شاهرين السيوف ومعتجرين بالازر الصنعانية ، يخبطون الناس ويأخذون البيعه منهم (١) !

هذه في الحقيقة دكتاتورية وليست ديمقراطية.

أما ماقلته : «إنّ عمر قال يوماً بحق الإمام عليّ عليه‌السلام أتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن» ، فهذا ناتج عن قلّة علم عمر ودرايته بالأحكام ، وأكبر دليل على ذلك هذه الرواية ، وهي واحدة من عدّة روايات تبين جهل عمر بالمسائل الفقهية :

_____________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد : ١ / ٢١٩.

١٦٢

روى الحميدي في كتاب «الجمع في الصحيحين» ، قال : «في خلافة عمر بن الخطاب جاءوا بخمسة زناة زنوا بامرأة واحدة ، وقد ثبت عليهم ذلك ، فأمر الخليفة برجمهم جميعاً ، فأخذوهم لتنفيذ الحكم ، فصادفهم الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام وأمر بإعادتهم ، وحضر معهم عند الخليفة عمر وسأله : هل أمرت برجمهم جميعاً ؟ قال عمر : نعم ، فقد ثبت عليهم الزنا ، فالذنب الواحد يقتضي حكماً واحداً ، فقال الإمام علي عليه‌السلام : ولكن حكم كل واحد من هؤلاء الرجال يختلف عن حكم صاحبه.

قال عمر : فاحكم فيهم بحكم الله فإني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : أعلمكم عليّ وأقضاكم.

فحكم الإمام عليه‌السلام عليهم بضرب عنق أحدهم ورجم الآخر وحد الثالث وضرب الرابع نصف الحد وعزّر الخامس.

فاستغرب عمر من ذلك فقال له : كيف ذلك يا أبا الحسن ؟!

فقال الإمام علي عليه‌السلام : أما الأول فكان ذمياً زنىٰ بمسلمة فخرج من ذميته ، والثاني محصن رجمناه ، وأما الثالث فغير محصن فضربناه الحد ، والرابع عبد مملوك فحده النصف ، وأما الخامس فمغلوب على عقله فعزرناه ... فقال عمر : لولا علي لهلك عمر» (١).

_____________

(١) ليالي بيشاور : ١٠١٤ ، عن الجمع في الصحيحين.

١٦٣

أما بشأن الخلاف الذي جرىٰ أيام عثمان بن عفان وقولك يا دكتور إنّها فتنة يهودية قام بها عبدالله بن سبأ ! فابن سبأ هذا لماذا لم يكن موجوداً أيام سقيفة بني ساعدة ، أو يوم قتل عمر ؟ فذاك أحرى ، لأن كعب الأحبار اليهودي كان موجوداً في خلافة عمر وكان يفتي على هواه ويدس الإسرائيليات دون رادع له !

ومن هو عبدالله بن سبأ الذي تزعمه والذي ظهر يوم مقتل عثمان ؟! هل هو عمار بن ياسر رضي‌الله‌عنه ؟ حاشاه من ذلك ، أم محمد بن أبي بكر ، أم أحد الحسنين ؟ حاشاهما وجل قدرهما ، أم غيرهم من الصحابة الذين كانوا غيارىٰ على الاسلام والأمة ، ورأوا بيت المال يقسم بين الأهل والخلان ، والأراضي أصبحت ولايات أموية ومروانية ؟!

لماذا لم يكن موجوداً أيام الجمل وصفين والنهروان ؟! هل اختفى بمقتل عثمان ، هل أرسل فقط بهذه المهمة مع فرض وجوده ، ولماذا لم يذكر اسمه إلّا في هذه الحقبة أو الفتنة ؟!

لقد تبين لي أنه «شماعة» تعلقون عليه أخطاءكم ، أو شخصية افتراضية في هذه المسرحية !

ونحن لا نظهر الإمام مندفعاً للسلطة لسببين : لأن السلطة هي التي جاءت إليه وقد قال ذات مرة إنّ هذه الخلافة هي عندي لا تساوي

١٦٤

عفطة عنز (١). وثانياً : هو صاحبها الحقيقي بنصّ الله سبحانه وتعالى ونصّ رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو كان أرادها بالدم لكان قام بها ، ولكن قال عليه‌السلام : «لأسالمنّ ماسلمت أمور المسلمين» (٢) ، وهو سالم ليس لضعف ، لأنه علم أن بالنهاية ستأتي ، إليه وإنّ حقه المهتضم لن يضيع عند الله سبحانه ، وعندما جاءته الدنيا فاتحة ذراعيها قال لها : «غري غيري إليك عني» (٣).

هذه عظمة الإمام علي عليه‌السلام ، فالكل يحتاج إليه وهو لا يحتاج إلى أحد ، كيف لا ، وهو باب مدينة العلم (٤) ، وهو قائد سفينة النجاة (٥) ، وهو نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٦) ، وهو الإيمان كلّه (٧) فتركه للخلافة كان أن لا

_____________

(١) لسان العرب : كلمة (عفط) ، تاج العروس للزبيدي : ٥ / ١٨٤.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد : ٦ / ١٦٦.

(٣) نهج البلاغة ، الكلمات القصار : ٧٧.

(٤) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» ، أنظر : مناقب الخوارزمي : ٨٣ (٦٩) ، مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٣٩ (٤٦٩٥) ، الجامع الصغير للسيوطي : ١ / ٤١٥ (٢٧٠٥).

(٥) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» ، أنظر : المعجم الكبير للطبراني ، والدر المنثور للسيوطي ، وتاريخ بغداد ، و... .

(٦) أنظر : تفسير آية المباهلة.

(٧) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الأحزاب عندما برز الإمام علي عليه‌السلام إلىٰ عمرو بن

١٦٥

تهرق محجمة دم من أجله وهو الأحق بها ، ويوم بيعة عثمان رفض إلّا أن يسير بنهج القرآن الكريم وسنة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وترك سنة الشيخين ، فعادوا وغصبوها منه.

والخلافة مسؤولية لا شك كما قلت ، ولكن هناك من يتحمل المسؤولية وهو قادر عليها ، فهو بأمر الله سبحانه قام بتبليغ سورة براءة إلىٰ مشركي مكة لعلمه جلّ وعلا أن أبابكر غير قادر على ذلك ، والامام علي عليه‌السلام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له القدرة والبلاغة والشجاعة على تبليغها.

وأمّا الخلاف الذي ذكرته في الجمل وصفين وقلت إنه كان سياسياً ولم يكن دينياً !

أقول : كان الخلاف دينياً وسياسياً معاً ، يجب أن لا يفترق الدين عن السياسة ، لأنهما واحد ، وهو حكم واحد للأمة.

نعم ، أولاً : جرى التلاعب بسنة وأقوال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وثانياً : جعل الدولة حكراً على بني عدي وتيم وغيرهم من المتنفذين.

جاء طلحة والزبير وقالا للإمام : بايعناك على أساس أن نلي شيئاً

_____________

ود العامري : «برز الإيمان كلّه إلىٰ الشرك كلّه» ، أنظر : ينابيع المودة للقندوزي : ١ / ٢٨١ ، شرح النهج لابن أبي الحديد : ١٣ / ٢٦١.

١٦٦

من الخلافة (١) فهذا سياسياً !!

وعندما خرجت عائشه بقميص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقالت : هذا قميص رسول الله وحذاؤه لم يبليان وعثمان هذا قد أبلى سنته ، اقتلوا نعثلاً فقد كفر (٢) ، بماذا كفر حسب رأيها ! هل كفر بالسياسة ؟! لا بل كفر بسنة النبي ، ومعنى ذلك أنّ السنة لها واجب وقدر وضرورة للعمل بها ، ومن يتركها يخرج من ربقة السنة.

فأساس الخلافة أن يكون الخليفة عادلاً فقيهاً ، شجاعاً غالباً لهواه ، منصوصاً عليه من الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تصلح الإمامة إلّا لرجل فيه ثلاث خصال : ورع يحجزه عن معاصي الله ، وحلم يملك غضبه ، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم» (٣).

يعني أن لا يكون فضاً غليظاً يخشى منه الناس ، فالهيبة تأتي من الفكر السليم والفقه الكامل ، والشجاعة والعفو عند المقدرة.

وقال الإمام علي عليه‌السلام : «من نصب نفسه للناس إماماً ، فليبدأ بتعليم

_____________

(١) الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ١ / ٧٠.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد : ٦ / ٢١٥ ، تاريخ الطبري ٤ / ٤٥٩ ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ١ / ٧٢.

(٣) الكافي للكليني : ١ / ٤٠٧.

١٦٧

نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه» (١).

البحث عن الدكتور شوقي أبو خليل :

بلغني أنّ معرضاً للكتاب يقام في المركز الثقافي «بدوما» ، فذهبت إليه للاستطلاع والبحث عن شيء ينفعني أو يطرح أمراً معيناً أجد ضالتي فيه ، وهذا المعرض كان فقط لدار نشر واحدة وهي دار الفكر ، وبعد البحث وصلت إلىٰ إحدى الطاولات ، وإذا بي أجد كتباً عديدة للدكتور رمضان البوطي وكتباً أُخرىٰ للدكتور شوقي أبو خليل ، وقد شدّني عنوان لم أجد بُداً من مدّ يدي وأخذه ، ومن ثم فتحته ، ونظرت إلى الفهرس لأرى المواضيع التي فيه ، وكان عنوان الكتاب : «من ضيّع القرآن».

قرأت المواضيع في الفهرس فلم أجد عنواناً واحداً يشير إلى أن الإمام علي عليه‌السلام كان ممن حفظ القرآن ، أو أنّ الإمام عليه‌السلام كان من أهم المحدثين للأحاديث النبوية الشريفة ! فهو يذكر بكتابه أسماء العديد من الصحابة كان لهم الفضل بحفظ القرآن الكريم ، وآخرين منهم كانت لهم اليد الطولىٰ في الحديث والمحدثين مع بعض التابعين ، ثم يذكر بعض الحركات التي شوهت الإسلام وأضاعته ، وبدأ من بين سطوره فيما بعد أنه يلمز ويشير إلىٰ طائفة معينة ، فقلت في نفسي :

_____________

(١) نهج البلاغة الخطبة ٧٣ ، شرح محمد عبده : ٣ / ١٦٦.

١٦٨

إلىٰ متى يبقىٰ هذا التعتيم والتضليل ؟ وإلىٰ متى نسكت عن الحقيقة ونتجاهلها ؟ على الفور توجهت إلىٰ محاسب الصندوق وكان حوارنا كالتالي :

قلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المحاسب : وعليكم السلام ورحمته وبركاته.

قلت : إذا سمحت لي بمعرفة ثمن الكتاب ؟

المحاسب : مئتان وخمسون ليرة ، هل أعجبك المعرض ونوعية الكتب ؟

قلت : نعم ، لا بأس به مشكورين على جهدكم المبذول.

المحاسب : لا شكر على واجب ، نحن نقوم بواجب نشر الكلمة الهادفة والمسؤولة.

قلت : لكن الأسعار عالية بعض الشيء.

المحاسب : أنت تعرف أنّ ارتفاع الأسعار يرتبط بسعر الورق وطباعته ونشره للكتب.

قلت : هل أستطيع الحصول على عنوان الدكتور شوقي أبو خليل أو رقم هاتفه ؟

المحاسب : الصحيح أنه ليس لديه عنوان بريدي للمراسلة ، ولكن هل الأمر مهم ؟

قلت : نعم أريد طرح بعض الأسئلة عليه إذا سمح لي وشخصياً.

١٦٩

المحاسب : يمكنك أن تراسله عن طريقي وأنا بدوري أنقل الرسالة له ، بشرط ذكر اسمه في الملف البريدي.

قلت : أشكر لك مساعدتك ، ممكن إعطائي العنوان.

المحاسب : دار الفكر صندوق بريد ... يصل ليد علاء آل رشي ومنه ليد الدكتور شوقي أبو خليل.

قلت : أرجو أن توصل الرسالة عندما أرسلها لتقع بيده ، مع شكري لك أخ علاء ووداعاً.

المحاسب : ستصل بإذن الله وعلى الرحب والسعة ، ومع تحياتي لك مع السلامة.

خرجت وأنا في الطريق بدأت بتصفح الكتاب.

مراسلة الدكتور من حلب :

بعد فترة من الزمن قرأت كتاب الدكتور وقررت مراسلته وطرح بعض الأسئلة عليه ، ولكن قبل ذلك كان عليَّ التفكير بالمنهجية والأسلوب الذي أتبعه ، وقمت باتصال مع أحد السادة العلماء وطرحت القضية عليه ، فطلب مني أن أكون هادئاً وأسئلتي موضوعية بعيدة عن الاستفزاز ، فوافقت لوجود الرغبة ذاتها في نفسي ، فنحن أولاً وآخراً نريد خدمة الإسلام والرسول الكريم وأهل بيته ، فحررت الرسالة ثم أرسلتها.

١٧٠

نص الرسالة التي أرسلتها للدكتور :

بعد حمد الله سبحانه والصلاة على نبيه وآل بيته :

وبعد أن عرّفت عن نفسي بدأت بسرد الموضوع :

الأستاذ الدكتور شوقي أبو خليل المحترم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية إسلامية عربية من أخٍ مسلم إلىٰ أخ مسلم.

وبعد ، أرجو أن تتقبل رسالتي بصدر رحب وأن تقرأها وتجيبني بموضوعية ، بعيداً عن التعصب وبعيداً عن المذهبية والطائفية التي لا تؤدّي بنا إلّا إلى الفرقة والتباغض ، ونحن في وقتنا الراهن بحاجة إلى الوحدة الاسلامية ونبذ المذهبية ، فمصيرنا مشترك وهدفنا واحد وهو إعلاء كلمة الحق ونشر الإسلام بصورته الصحيحة والتي غابت عن الكثيرين ، ونشر الإسلام في جميع أنحاء الأرض ، لأن الإسلام جاء بالسلام وإقامة الحق ونصرة الضعيف والوقوف أمام الظلمة والمستبدين والمضلّين الذين يريدون إطفاء نور الله بأفواههم والله متم نوره رغم كيد الكائدين ومكر الماكرين.

أخي الكريم ، هناك عدّة أسئلة أرجو أن تجيبني عليها بعد أن علمت من الأخ علاء آل رشي أنك تجيب على كل من يسألك أو يراسلك برحابة صدر ، وبما أنني قرأت كتابك «من ضيّع القرآن» وكنت سابقاً من الذين يبحثون ويدققون ، وأجمع الكتب

١٧١

والمخطوطات الإسلامية التاريخية ، بحثاً عن سبب الفجوة التي حصلت وقسمت الإسلام ، ومن فضل الله عليَّ أنني وجدت ضالتي وتوصلت إلى الحقيقة الضائعة والحبل الممدود الذي أرادنا الله سبحانه ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التمسك به واتباعه ، وقد قام بقطعه من أراد الدنيا وفصل الدين عن السياسة وقتها وانتزع الحق من أصحابه ونكران فضلهم ومشروعيتهم ، حتى أصبح حالنا في هذا الزمان ضعفاء متفرقين وبعضنا جواسيس على بعض ، وأنت تعرف من أقام الجواسيس في الإسلام على المسلمين ، وأقام القتل على مجرد الشبهة والظن !

تفاجأت حين قرأت كتابك المذكور أعلاه أنك أغفلت وظلمت أئمة أحق أن يذكروا ، ووجدت أحاديث عندك يشوبها الدسّ ، وبين سطورك تلميح إلىٰ فئة معينة ، فهل هو عن قصد ، أم عن توجهات طائفية ، أم ظلم ، أم غض بصر كما غضه الكثيرون من الكتّاب وللأسف ؟!

أ ـ من برأيك ضيّع القرآن ، أرجو أن تجيب بصدق ؟

ب ـ من الذي حَفِظ وحفظ القرآن بحق ؟

ج ـ لماذا أغفلت ذكر سيدنا عليّ عليه‌السلام عن موضوعك ولم تجعل له باباً واسعاً ؟

د ـ ألم تعلم أنّ بعض الذين ذكرتهم في باب من حَفِظَ القرآن أنهم

١٧٢

أحرقوا المصاحف وطلبوا بقاء واحدٍ وذلك لغاية في نفوسهم وأنت تعلم بذلك ؟!

هـ ـ أين سيدنا جعفر الصادق عليه‌السلام من كتابك وباب علماء الحديث ورواتهم ؟! ألم يكن أستاذاً ومعلماً وإماماً وفقيهاً لأكثر من أربعة الآف طالب في مدرسته ، ومن بينهم أبو حنيفة ، ومالك ، وسفيان الثوري ، وجابر بن حيان ، وآخرون كلّهم خرجوا ولسانهم يقول : حدثني جعفر بن محمد ؟!

و ـ من أين جئت بحديث (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية) ؟

ألا تعلم أن هذا الحديث وضع بعد عام الجماعة المفَرق والكثير من الأحاديث الموضوعة.

ز ـ ما الفرض من هذا التلميح بين السطور ، هل لغاية دنيوية أو عز أو من هذا القبيل ؟!.

ح ـ أين دليلك على أن هؤلاء هم من حفظ القرآن ، ومن خلال أي مصدر أو مرجع أنا مستعد للرجوع إليه ؟

ط ـ لماذا لم تذكر الوهابية في باب الحركات التي شوهت الإسلام ؟!.

ي ـ لماذا لم تكمل مشوارك وتذكر الحجاج أيضاً ، أو السفاح ، أو يزيد اللعين ، أو آل أبي سفيان الطلقاء ؟!

١٧٣

هذا حرام يارجل !

ك ـ كيف تسقط حقّ أهل البيت عليهم‌السلام وتنكرهم وتعرف فضلهم ؟!

أرجو أن تجيبني هداك الله.

وأخيراً أرجو من الله سبحانه أن يوفقنا إلىٰ مصلحة وخدمة الإسلام والرسول الأعظم وأهل البيت عليهم‌السلام أصحاب الولاية وآية التطهير وأمان أهل الأرض.

وأخيراً نرجو الرد على الرسالة ولكم الشكر.

خادم أهل البيت عليهم‌السلام.

باسل بن خضراء ـ حلب

الرد كان مفاجئة لي :

غابت الرسالة أسبوع كامل ثم جاءت الإجابة ، وأرجو أن تتصوروا ماذا كانت أجابته ، حرّرت له صفحتين ونصف قطع كبير واثني عشر سؤال ، لم يجبني إلّا علىٰ سؤال واحد فقط.

والرسالة كانت عبارة عن قطعة من الورق بها أربعة أسطر كل سطر أربع كلمات ، قال :

«أنا لن اجيب عليك ، أنت تحبّ الجدال الكثير ، وأنك يبدو لا تعرفني جيداً ، وإذا أردت معرفتي أسأل عني طلبتي سنة ثالثة كلية الشريعة في حلب».

طبعاً لم يترك كلمة شكر ولا حتى السلام عليكم !

١٧٤

لم أكن أتوقع أن تكون إجابة دكتور في التاريخ هكذا ، فأنا لم أسيء لشخصه ، فقط أردت تذكيره بشيء هام.

ثم إنني سألته اثني عشر سؤالاً لم يكلف نفسه بالإجابة عليها سوى السؤال الأخير ، هو أرجو أن تجيبني هداك الله ، وأجابني بهذا التقريع والأسلوب !

أهكذا يتم التعامل مع الدكتور أو الأستاذ من قبل طلبته في الجامعات والكليات ، هل هذا خلق الإسلام ؟!

الردّ على الردّ :

بعد أن وصلني الردّ من الدكتور وتفاجأت بأسلوبه ، اتصلت هاتفياً بأحد السادة المؤلّفين في «دمشق» وكان على علم برسالتي ، فأخبرته بقدوم الردّ وقرأته عليه ، فاستغرب مثلي من أسلوب الدكتور في الرد.

ثم مضىٰ يومان وكان لدي فرصة عمل في إحدى الشركات «بحلب» ، ذهبت إليها لإجراء مقابلة واختبار ثم عدت إلى المنزل (١) ، وفي طريق عودتي لمحت كتاباً على واجهة إحدى المكتبات في

_____________

(١) تم انتقالنا إلى مدينة حلب بعض الوقت لأسباب طبيعة عملي ، وقد سررت جداً لسببين : أوّلها لأنها مسقط رأسي ، وثانيها كونها كانت سابقاً مركز دولة شيعة أهل البيت عليهم‌السلام ، فكان يهمني الاطلاع على تاريخها.

١٧٥

«حلب» وهي مكتبة الثقافة ، وهذا السفر القيم للدكتور شوقي أبو خليل ويحمل عنوان «هارون الرشيد» ! اشتريت الكتاب وعدت إلىٰ منزلي وبدأت بقراءته ، وانتهيت من قراءته في يومين.

ثم أخذت دفتر الرسائل وقلم وبدأت أحرّر له رداً على ردّه المتواضع ، فكتبت في ثلاث صفحات طوال وحاولت أن لا أخرج فيه عن أدب الحوار ، بدأت بأوّله بالسلام على الدكتور وفوراً قلت له : فضيلة الدكتور أحيطك علماً بأنني لست بحاجة لسؤال أحد عنك طالما جاءني ردك مسرعاً وبهذا الأسلوب ، فرسالتك تحدّث عن شخصيتك وتبيّن لي ما أجهله منك.

ثم بدأت أعيد بعض الأسئلة عليه ، وبدأت بسؤاله عن هارون الرشيد :

إنك تذكر في كتابك عن فضل هارون وتسيء إلىٰ كتّاب كتبوا بأمانة عن عصره !

وأريد أن أسألك عن قصر البنات الموجود في الرصافة لمن هذا ، أليس لهارونك ؟! ألا يحج مئات الأجانب من دولهم وأراضيهم ليأتوا ويشاهدوا عظمة عصر وحرية هارون ، كيف أنّه بنى قصراً جميلاً بلغ عدد غرفه (٣٦٥) غرفة في كل غرفة كانت جارية بانتظاره يدور عليهم بعدد أيام السنة كل يوم واحدة ، وعندما تنتهي السنة يستبدل الوجوه القديمة بأخرىٰ !!

١٧٦

وأنا لم أحضر شيئاً من عندي ، هذا التاريخ موجود ، والقصر مازالت معالمه موجودة ، فلماذا لم تذكر سابقته في كتابك ، وعددت فيه الكثير من أعمال هارون ؟!

وقلت له : يجب أن نسمّيه بعد كلّ هذه الأعمال هارون غير الرشيد !

وفي النهاية أرجو أن تتقبلوا فائق الاحترام.

تركت عنواني ورقم هاتفي على الرسالة وطلبت منه إذا سمح الوقت له أن اجتمع به ، وطبعاً له القرار أنّ يحدّد موعداً وساعة الاجتماع ، وختمتها بالشكر الجزيل.

وصول ردّه إليَّ :

كنتُ في أشدّ الشوق لمعرفة ردّه ، وهل سيحدد موعداً للقاء ؟

ووصل الردّ إليَّ وليته لم يصل ! لقد كان أقسىٰ من سابقه :

«يبدو أنك لا تفهم معنىٰ النقاش ، وأنا لن أرد عليك ، وخير الكلام ماقل ودلّ ، وأنا بانتظارك مع هاروني في المكتب».

لا يوجد شكر ، وهذا ماكان من ردّه ، فانظروا ياناس...!!

تجهزت بعد فترة لزيارته في «دمشق» وحضرت بعض الأسئلة التي أحببت أن أقدّمها إليه ، ولكن حدث معي أمر أربك عملي وغير فكرتي تماماً.

١٧٧

١٧٨

لقاء في مشهد الإمام الحسين عليه‌السلام :

عندما أقمت في مدينة «حلب» حرصتُ على الذهاب إلىٰ مشهد رأس الإمام الحسين عليه‌السلام في جبل الجوش أو جبل النحاس ، فبعد أن جرت واقعة كربلاء الأليمة وحزت رؤوس الشرفاء ، ووضع رأس الإمام الحسين عليه‌السلام على رمح ، وبدأوا بالرحلة الأليمة ـ مسير السبايا ـ بدءاً من «كربلاء» مروراً بعدّة مناطق ، ومن ثم مدينة «حلب» وصولاً إلىٰ «دمشق» إلى الطاغية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ابن الطلقاء ، وقصة المشهد طويلة سأذكرها لاحقاً ، لأنني رأيت هناك معجزة.

المهمّ أنني كنت أذهب دائماً هناك لحضور الصلاة اليومية وصلاة الجمعة ، ومن بعدها كنتُ أزور ضريح الشيخ إبراهيم الضرير رحمه‌الله وأسكنه فسيح جنانه ، لما قدمه في سبيل الرسول وأهل البيت عليهم‌السلام وخدمة للأمة الإسلامية من رعاية لهذا المشهد والمواقف الأخرى التابعة له.

وكنت أذهب بعدها إلى زيارة الشيخ إبراهيم نصرالله في مكتبه

١٧٩

لأستفيد من علمه المستمد من تراث أهل البيت عليهم‌السلام ، وكان دائماً رحب الصدر يستقبل الناس ويتفقد أمورهم ويساعدهم على حل الكثير من مشاكلهم والاجابة على أسئلتهم ، ومن ثم كنت أذهب إلى المكتبة العامة بالمسجد لأستعير بعض الكتب التي تنقصني ، فتكونت صداقة وأخوة بيني وبين مسؤول المكتبة الأخ «أبو ياسر» وبعض الأخوة هناك ، مثل الأخ عبد الجواد الخطيب ، والأخ جمال ، وهما يعملان في خدمة المشهد.

دخلت إلى المكتبة في أحد أيام الجمع لأستعير بعض الكتب ، فوجدت شخصاً يبدو أنه يحضر أوّل مرّة إلى المشهد ، وتقدم الرجل إلى مسؤول المكتبة..

وسأله عن أحد الكتب.

فأجابه مسؤول المكتبة بعدم وجوده الآن.

وكنت حاضراً ، فتقدمت إلى الأخ..

وقلت له : هل حاجتك ماسة للكتاب ؟

فأجاب الرجل : نعم أريد الاطلاع على فكر أهل البيت عليهم‌السلام.

فطلبت منه الخروج من المكتبة حتى لا نؤثر على أحد بكلامنا ، وفي الطريق طلبت منه معرفة اسمه.

وقلت : أعرفك على نفسي : أنا باسل الخضراء من سكان «حلب» حالياً.

١٨٠