🚖

ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
ISBN: 964-8629-12-9
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

المحمدية ، ثم كيف عليَّ الاستماع فقط دون أن أسأل وأقدم وجهة نظري ! ، هل هو كأس ماء عليّ شربه دون أن أعرف ما طبيعة الماء فيه !! أم هو حشو أفكار فقط ، وعلينا التصديق والتسليم ، كيف أقبل أن استمع لرواية لا أجد فيها إلّا طعناً بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخلقه ، ثم أنكم تحدّثون هذه القصة ، ثم بعد ذلك تقولون إن الشيطان اعترض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلاته ، أو أنه نسي آية من القرآن تذكّرها عندما سمع أحد القارئين لها ، كيف ذلك ؟!

الشيخ عبدالله : هذه أفكار مغلوطة ، ويبدو أن أحداً ما نقل لك أحاديث ملفقة وسمّم أفكارك بها ، فاحذر يا بنيّ.

نظرت إلى الحاضرين ، ثم التفت إليه وقلت له : مارأيك بصحيح البخاري فضيلة الشيخ ؟!

الشيخ عبدالله : لقد قال النووي في كتابه التقريب : «إنّ أول مصنف في الصحيح المجرد : هو صحيح البخاري ، ثم صحيح مسلم ، وهما أصحّ الكتب بعد القرآن ، والبخاري أصح كتاب وأكثر فائدة» (١).

ويقول أحدهم : إذا قرىء صحيح البخاري في بيت ثلاثة أيام حفظ أهله من الطاعون ، وأنه ما قرئ في سفينة إلّا حفظت من الغرق ، ولا مجال للطعن فيه ، لأن أحدهم رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نومه ، وقال

_____________

(١) التقريب للنووي : ٢.

٦١

له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبلغ محمد بن إسماعيل (أي البخاري) مني السلام ، وذلك في عصر البخاري.

قلت : إنّ هذه الأفكار التي ذكرتها من البخاري والأفكار التي طرحتها أنا أيضا نقلتها من البخاري ، وها هو معي جزء منه ، وتقدمت ووضعته أمامه..

وقلت له : هل قرأت صحيح البخاري كاملاً ؟

الشيخ عبدالله : نعم ، أنا ماوصلت لهذه المرحله إلّا وقرأت الصحاح كلّها مع السير.

قلت : لم تمر معك رواية سباق الجري بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزوجته تاركين الجيش يسير وحيداً ؟ ولم يأتك بالحديث أن المغنيات يغنين أمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزوجته السيدة عائشه (رض) ؟ ألم ؟! ألم ؟! طرحت الأحاديث عليه.

ضجّ الحاضرون وقالوا : هل هذا معقول ما يرويه ؟! هل صحيح ما يقوله هذا الشاب ؟

نهض الشيخ من كرسيه وقال للحاضرين : اهدأوا ، إنّ هذا الشاب يحمل أفكاراً مسمومة ، فيها رائحة الفتنة ، وربما أنه التقىٰ بهؤلاء الشيعة !

فقلت لأحد الشبان الجالسين : أرجو أن تفتح مجلد باب النكاح ، واقرأ حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء..

٦٢

وبدأ الشاب يقرأ..

قلت له : اقرأ بصوت عالٍ حتى يسمع الجميع : «جاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخل حين بُني عليّ فجلس علىٰ فراشي وجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر ، وقالت إحداهن : وفينا نبي يعلم مافي غد».

وقلت للحاضرين : ما رأيكم بهذا الحديث ، هل يستسيغ عقلكم أن يحضر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حفلة زفاف وغناء ؟! فهل يعقل هذا ؟! هل تفعلون أنتم ذلك ؟!

قال الشاب : لا نفعل ، لا يجوز الاختلاط بنساء أجنبيات !

قلت : كيف إذن ينسبون للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك ؟!

يافضيلة الشيخ إذا كانت أفكاري مسمومة بردّي على هذه الأحاديث ، فهو نابع على حرصي على كرامة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكيف لا أرضى ذلك على نفسي وأرضاه للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وأمّا الفتنة فهي السكوت على أحاديث باطلة شرعاً وعرفاً.

وأمّا ماذكرته أنني ألتقي مع الشيعة ، فأنا لم ألتق مع أحد منهم ، وإذا كان هذا رأيهم مثلي فإننا نتفق على ردّ هذه الأحاديث الضعيفة الباطلة.

رفعت كتابي من أمام الحاضرين ، وبدأ الشيخ ينظر إليَّ غاضباً والحضور واجم لا يعلمون مايقولون ، وخرجت من المسجد ، ثم

٦٣

تبعني الشاب الذي قرأ الحديث..

وسألني : هل أنت تقطن في هذه المنطقة ؟!

قلت له : نعم ، وأعطيته عنواني ، ثم ذهبت إلى أبي عبدو ، وذكرت له ماجرىٰ..

وسألته : هل الشيعة يذهبون إلى هذا الرأي ؟

قال : نعم ، وهل تحب أن تطّلع على أفكارهم ؟

قلت له : ياحبذا ذلك ، فأعطاني كتاب المراجعات لسماحة السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس‌سره لأقرأه وأتعرّف بنفسي على أفكار الشيعة.

متابعة البحث حول صحيح البخاري :

بدأ الناس يكيلون لي التهم ، فمنهم من قال : إنه تشيع وترفض ، فأخذت أسأل بعض المشايخ وألوذ بالمثقفين ، والكل يحذّرني من الانجراف وراء الأفكار المسمومة ، فذهبت يوماً إلىٰ أحد أصدقاء والدي ، وهو الحاج «أبو أحمد الشريف» وكان ملمّاً ببعض قضايا الدين ، وكان مدرساً في كلية التاريخ ، لكنه لم يواصل التدريس في الكلية بسبب ظروف مالية حالت دون متابعته الدراسة ، وقد نوّه لي والدي مراراً أنه ربما يساعدني في حلّ كثير من الأمور والتساؤلات العالقة بذهني ، فقمت بزيارته صباحاً ، وسُرّ كثيراً برؤيتي ، ثم دقق النظر في حالي فعرف أنني جئته لأمرٍ ما ..

٦٤

فبادرني بالسؤال قائلاً : يبدو أنّ أمراً ما تريد طلبه ، هل والدك بخير وهل يريد شيئاً مني ؟

قلت : إنّ والدي بخير والحمدلله ويبلّغك تحياته وهو نصحني بزيارتك.

أبو أحمد : يبدو أنّ لديك أمراً مهماً ، وأنا أعلم أنّ والدك عندما يتضايق يرسل في طلبي أو يزورني.

قلت : لديّ استفسارات أود أن أطرح عليك بعضها ، وبحكم معرفتي أنك مطلع على كثير من القضايا الإسلامية ولك تجربة في الحياة.

أبو أحمد : تفضل قل مالديك ، وأرجو أن أستطيع مساعدتك يابني.

قلت : ما رأيك بصحيح البخاري ، أو بالصحاح أجمعها ؟

أبو أحمد : صحيح البخاري يا بني هو من الكتب المعتبرة ، ومسلم يعدّ من تلامذة البخاري ، واستقلّ بنفسه وأخرج كتاباً سمّاه صحيح مسلم على غرار صحيح البخاري ، وقد توجد أحاديث عند مسلم ولا توجد عند البخاري ، وأصحاب باقي الصحاح هم تلامذة للشيخين (أي مسلم والبخاري) وأوّل من جمع الأحاديث ورتبها حسب الأبواب مثلاً باب الصلاة وكتاب الايمان وغير ذلك.

قلت : عفواً عم أبو أحمد ، أنا ما سألت كيف انتهج الأسلوب في

٦٥

تأليف الكتاب ، بل أردت بيان قيمته المعنوية.

أصرح لك : أنني وجدت أحاديث كثيرة منافية للعقل بحيث لا يتحملها أحد.

أبو أحمد : إياك يا بني أن تخوض في هذه المسائل ، لأنّها تؤدّي بالنهاية إلى الكفر والعياذ بالله ، وموضوع بحث الأحاديث له أهله ، وهناك علماء ودكاترة مختصون بالبحث ومناقشه الأحاديث.

قلت : عم أبو أحمد ، هل الدين وبحث الأحاديث النبوية حكراً للدكاترة والأساتذة والعلماء ؟! هل الدكتور أو العالم له ميزة خاصة عن باقي الناس ؟! هل يوحى إليه ـ والعياذ بالله ـ أنه سيحصل على شهادة دكتوراه أو مرتبة عالم ؟ أم أنه تلقى العلم ودرس وسأل حتى حصل على هذه المرتبة.

أبو أحمد : يبدو أنك متحامل كثيراً على أصحاب الشهادات والعلماء.

قلت : أليس من حقي أن أسأل عن أمور ديني وأتعلّم الأحاديث النبوية وأن اقرأ الكتب الإسلامية ؟ ألست مسلماً يجب أن يتعرّف على أمور دينه ؟!

أبو أحمد : رويدك.. رويدك ، يا بني ، من حقك أن تسأل وتعرف وتقرأ الكتب ، لكن قل لي : ألا تصلّي وتصوم وتزكي ، وقبل كل ذلك تؤمن بالله وحده لا شريك له وتؤمن بالملائكة والأنبياء والرسل

٦٦

وبالجنة والنار ، وتقوم بفريضة الحج إذا استطعت ذلك ، عليك أن تبحث من خلال هذه الأمور فقط.

قلت : وهل الإسلام فقط صلاة وصوم وزكاة وحج ؟! واعتقادي أن هناك أموراً أساسية يجب على المسلم معرفتها !

وأحسست أنني لم أجد جواباً لاستفساري الأول ، فقطعت الحديث وتناولت فنجان القهوة الذي أعدّه لي أبو أحمد.

وعدت وسألته : عم أبو أحمد ، مارأيك بالشيعة ؟ وأين أستطيع أن أجد لهم كتباً أتعرّف من خلالها على أفكارهم ؟

نهض العم أبو أحمد من مكانه بسرعة كأنه صعق بماسٍ كهربائي ، أو أنّ إحدى الزواحف قد لدغته وصاح في وجهي : يا باسل ، ما لنا وللرافضةّ ، ما لنا ولهؤلاء الناس ، لعن الله من أيقظ الفتنة.

وفجأة طُرقت باب منزله فبادر أبو أحمد وفتح الباب ورحب بضيفه ، وكان الضيف أحد جيران العم أبي أحمد ، وهما متشاركان بالعمر.

فعرّف العم أحدنا على الآخر ، ثم بادر الضيف بإخراج كتاب من حقيبته ..

وقال للعم أبي أحمد : تفضل ، ابني اشترىٰ كتاباً لأحد مؤلّفي الشيعة ، وقد تجادلت كثيراً معه حول شرائه لهذا الكتاب ، وما الداعي لشرائه ، ولكن دون فائدة ، فأخذته منه لأعرضه عليك لنرىٰ ما الحلّ

٦٧

لنبعد الولد عن قراءة هذه الكتب.

قال العم أبو أحمد : أعطني أياه ، آه ! هذا الكتاب المختلق ، دائماً يوزعونه ، ويبيعونه بسعر قليل حتى يجذبوا الشباب إليهم ، ولكن إلىٰ متىٰ ، أنّا لهم بالمرصاد ، وهذه المراجعات كلّها قصص مختلقة.

نظرت خلسة إلى الكتاب ، فوجدت اسمه فعلاً المراجعات ، وتذكرت أنّ أبا عبدو أعارني أياه ولكن لم أقرأه ..

وقلت في نفسي : إنني لن أقول للعم أبي أحمد أنّ لدي نسخة من هذا الكتاب حتى لا يصب جام غضبه عليّ.

ثم قال العم أبو أحمد لضيفه : هذا الشاب أيضا يسأل عن الشيعة ، ويبدو أنه سيتأثر بهم ، ولكنني سأبعده عنهم ..

ولكن قل لي : من أين حصل ابنك على هذا الكتاب ، على حدّ علمي أن مكتباتنا لا تبيع مثل هذه الكتب.

أجاب الضيف : بالأول سألته ـ يعني ولده ـ فلم يجبني ، وعندما أظهرت له غضبي ، قال : إنّه ذهب مع صديقه إلىٰ منطقة السيدة زينب عليها‌السلام وهناك اشتراه من إحدى مكتبات الشيعة.

تعلّق في ذهني اسم المنطقة ، وقرّرت الذهاب إلىٰ هناك لأطّلع على كتبهم ، وبعد لحظات نهضت من مكاني وطلبت الإذن بالانصراف.

فقال العم لي : تمهّل لي حديث معك.

٦٨

قلت : لقد أطلت الجلوس عندك ، ولديّ بعض الأمور يجب إنجازها.

أبو أحمد : يا بني نصيحتي لك : إحذر الاقتراب من الشيعة ، إنّ عمري تجاوز الخمسين ولي نظرة بالأحداث ، فإياك ثم إياك الاستماع إلىٰ أقاويل هؤلاء الشيعة ، فإنهم يحرّفون الأحاديث.

قلت : أقبل نصيحتك ، ومايشاء الله يفعل فلا اعتراض على أمره ، والسلام عليكم.

٦٩

٧٠

قراءتي لكتاب المراجعات :

عدتُ إلى المنزل ، وأوّل ما فعلته أنني فتحت كتاب المراجعات وقرأت المقدمة وبداية المناظرة ، فهالني دقة الألفاظ وسحر المعاني والجمل المترابطة وأدب الحوار بين المتناظرين ، وتابعت القراءة ، وكلما طالعت أكثر وجدت قوّة أدلة السيد ومتانة حججه وضعف الشيخ البشري ، وأخذت أنظر إلى الهوامش كي أرى المصادر التي اعتمد عليها السيد قدس‌سره في مناظرته ، فتفاجأت من كون كلّها من مصادر أهل السنة !

قلت في نفسي : إنه يرتكز على أرضية صلبة في حواره مع الشيخ ، والشيخ أحياناً يوافقه بالقول على دلالة المصادر ووثوقها ، فأخذت بتسجيل المصادر الهامة لأبحث عنها فيما بعد ، وعندما وصلت إلى الربع قبل الأخير من الكتاب وتحديداً صفحة (٢٥٧) ، وكانت المراجعة تحت رقم (٨٦) ، وهي رد من السيّد قدس‌سره على الشيخ البشري حول سؤاله الموارد التي لم يتعبد بها الصحابة بالنصّ ، وكان جواب السيد رزية الخميس.

٧١

وإليكم نصّ المراجعة والعبارة التي أذهلتني :

«الموارد التي لم يتعبدوا فيها بالنصّ أكثر من أن تحصىٰ ، وحسبك منها رزية يوم الخميس ، فإنها أشهر القضايا وأكبر الرزايا ، وأخرجها أصحاب الصحاح ، وسائر أهل السنن ، ونقلها أهل السير والأخبار كافة ، ويكفيك منها ما أخرجه البخاري بسنده إلىٰ عبيدالله ابن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس : قال : لما حضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ، فقال عمر : إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف من في البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ماقاله عمر ، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي ، قال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوموا عني ، فكان ابن عباس يقول : الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب (١).

وقد نقله أصحاب السنن وتصرفوا فيه ، لأن لفظه الثابت : أن النبي يهجر ، لكنهم ذكروا كلمة غلبه الوجع تهذيباً للعبارة (٢).

_____________

(١) المراجعات : ٤٥٣.

(٢) صحيح البخاري ، كتاب المرضىٰ ، باب قول المريض قوموا عني : ٤ / ١٠ (٥٦٦٩).

٧٢

لم أتمالك نفسي وصحت عمر ... عمر ... غير معقول ، وفجأة بدأت مخيلتى تستذكر الأقوال التي قيلت في عمر وأحاديث فضائله ، وتذكرتُ أنه مدفون بقرب قبر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كل هذه الأمور تسلسلت في ذهني وأنا مذهول أمام هذه العبارة ..

وقلت : يجب أن أبحث عن هذه الرواية هل حقاً موجودة في البخاري ؟

وقلت : مادام بعض أجزاء الصحيح موجودة عندي فسوف أنتهز الفرصة ، ولكن في الصباح إن شاء الله أكملها بعد عودتي من المدينة.

٧٣
٧٤

قصد الذهاب إلى منطقة السيدة زينب عليها‌السلام :

في الصباح قرّرت الذهاب مع والدي لشراء بعض الحاجيات من مدينة دمشق ، وبالفعل وصلنا إلىٰ مركز المدينة ، وقام والدي بشراء بعض الخضار ، وقال لي : تعال لنستريح قليلاً عند عمك «أبو علي» فهو قريب من هنا ، وعمي أبو علي هذا له دكان صغير لبيع المضخات المائية في منطقة العمارة «بدمشق» ، وتسوقنا للخضار كان من سوق الهال القديم وهو قريب نسبياً للدكان ، ودخلنا على العم «أبو علي» (ابن عم والدي) فرحّب بنا كثيراً ثم طلب منّا الجلوس.

وأخذ أبي وابن عمه يتحدثان عن أمور المعيشة والحياة ، في هذه الأثناء مرّت من أمام المحل حافلة صغيرة مكتوب عليها لوحة (السيدة زينب) ، فبرقت في بالي فكرة الذهاب إلىٰ هناك ، ولكن كيف ؟

فقلت للعم «أبو علي» : أرى سيارات السيدة زينب تمر من هنا ، هل أصبح لهم موقف بجانبك ؟

العم أبو علي : لا ، هي سيارة عابرة ، قد تكون في مهمة إيصال طلب خاص.

٧٥

طبعاً أنا أعلم أنّ سيارات السيدة زينب عليها‌السلام موجودة في منطقة باب المصلّىٰ ، ولكن لم أزرها أبداً لبعد المكان ، ولم أكن أعلم أنها مركز تجمّع للشيعة ، ولكن العم «أبو علي» شجعني على الذهاب إليها ..

قائلاً : على كل حال هذه السيارات لها موقف في مكان قريب وبالتحديد خلف (القصر العدلي) ، واُجرة الذهاب إلى هناك عشر ليرات ، والناس يذهبون لزيارة السيدة وقراءة الدعاء عندها.

قلت : وهل الناس تذهب للدعاء عند القبور ، هل يجوز ذلك ؟

العم أبو علي : نعم ، فهي سيدة فاضلة والدعاء عندها بركة ، ويورث راحة نفسية ، وأما بالنسبة لي فأنا لم أزرها منذ عشر سنوات ، ولكن إذا أردت الذهاب عليك الانتباه ! فهناك ناس يختلفون عنا في الصلاة ، ويقصدها الزوار من إيران والعراق وأفغانستان.

قلت لأبي : أودّ رؤية هذه المنطقة الآن ، فهل تريد أن أوصلك إلىٰ موقف سيارات «دوما» ؟

قال أبي : كيف تذهب الآن إلىٰ هناك وينبغي أن ننجز أعمالاً كثيرة ، دع هذا الأمر لمرّة أخرى (خاطبني وهو متذمر).

قلت : طالما أنا بالشام ـ يعني أنني في نصف الطريق ـ ولن أتأخر ، ثم وقفت واستأذنت بالانصراف ، فرمقني أبي بنظرة حادة علّني

٧٦

أنصرف ، ولكنني أصررت عليه حتى أذن لي بذلك.

البحث عن المكتبات الشيعية :

حثثت السير إلى القصر العدلي ، وسألت أين «سرفيس» السيدة زينب ، فأشار إليّ أحدهم قائلاً : هذه السيارة الصفراء الكبيرة هناك تذهب لمنطقة السيدة زينب ، فأسرعت الخطى إليها ، ثم ركبت ، وقلت للسائق : أرجو أن تنزلني في الشارع الذي فيه مكتبات الشيعة ، فالتفت أحد الركاب إليّ قائلاً : الشارع الذي تمر به السيارة فيه الكثير من المكتبات فإذا وصلنا أنزلك أمام إحداهن.

وعند وصولنا أنزلني ذلك الشخص أمام مكتبة «السيدة رقية» هذا كان إسمها ويبدو أنها كانت حديثة ، ولم تمر فترة طويلة على افتتاحها ، نظرت إلىٰ داخلها فلم أجد أحداً ، وتبين أنها مغلقه ، فمشيت وقلت في نفسي : ماهذا الحظ ، أصل إلىٰ هنا على أمل أن أجد مكتبة وإذا بها مغلقة ، ولم أتجاوز سوى ستة محلات حتى رأيت مكتبة لها لافتة مكتوب عليها «دار الحسنين عليهما‌السلام» ، ففرحت وفتحت بابها ، وحمدت الله تعالى أنها مفتوحة ، فرحب بي صاحبها قائلاً : تفضل على الرحب والسعة.

قلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، هل يمكنني الاطلاع على الكتب لديك.

٧٧

صاحب المكتبة : وعليكم السلام والرحمة ، طبعاً تفضل المحل محلك.

نظرت إلى الكتب وانبهرت لكثرتها ، وجمال تجليدها ، وبدأت أقرأ العناوين : «أضواء على السنة المحمدية» لمحمود أبورية ، «الخدعة ـ رحلتي من السنة إلى الشيعة» لصالح الورداني ، نظرت إلى الطرف الآخر وسيل العناوين ينهال عليّ وكلها تدفع بالمرء للفضول ومعرفة مافي بطونها ، لكن عدت واخترت كتاب «أضواء على السنة المحمدية» لاهتمامي بمعرفة سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتوجهت إلى صاحب المكتبة ..

قائلاً : ما هذا الكتاب ؟!

صاحب المكتبة : هذا الكتاب يعدّ من الكتب الهامة والتي تبحث في الأحاديث النبوية والصحاح عند إخواننا أهل السنة ، ويناقش المؤلّف فيه بعض الاسرائيليات المدسوسة في السنة ، ومؤلّفه مصري الجنسية.

قلت : هل المؤلّف شيعي أم سني ، فأنا أبحث عن كتب تبيّن الفكر الشيعي.

صاحب المكتبة : هذا المؤلّف يطرح القضية بوجه عام ، ولديه أفكار جيدة في مناقشة السنة النبوية ، واختيارك له كان موفقاً.

قلت : هل يوجد كتّاب مصريين آخرين ، أو حتى سوريين ، فأنا

٧٨

أجهل ذلك ، كما أنني أرغب بالإطلاع على كتب مؤلّفة من قبل إيرانيين ، ولكن للأسف لا أعرف اللغة الفارسية.

صاحب المكتبة : يوجد كتّاب مصريين ، ويوجد لدي مؤلّف سوري له كتاب يناقش بعض المسائل الفقهية بين السنة والشيعة ، والكتاب هو «القطوف الدانية في المسائل الثمانية» لمؤلفه السيّد عبد المحسن السراوي.

قلت : أرجو أن تعطيني هذا الكتاب إذا سمحت ، وهل هناك كتاب يبحث ويناقش الأحاديث النبوية غير كتاب (محمود أبو رية) وأرجو أن تعطيني إياه.

صاحب المكتبة : نعم هنالك كتاب «تأملات في الصحيحين» لمحمد صادق نجمي ، وهو كتاب جيد أنا لم أقرأه ، لكن أقول لك آراء العديد من الذين قرأوه ، تفضل هذا هو.

قلت : شكراً لك ، ممكن سؤال أخير إذا سمحت : ماهذا البناء الذي أمامك ؟!

صاحب المكتبة : هذا البناء يتعلّق بالحوزة الزينبية العلمية ، وهو ما يماثل معهد شريعة عند السنة ، توجد لوحة على البناء يمكنك قراءتها.

طلبت معرفة ثمن الكتابين ، وهما القطوف الدانية وأضواء على السنة المحمدية ، دفعت له الثمن وانصرفت شاكراً له على مساعدته لي.

٧٩

في مقام السيدة زينب عليها‌السلام :

بعد خروجي من المكتبة توجهت إلىٰ مقام السيدة زينب عليها‌السلام لرؤية الضريح عن قرب ، ولأرىٰ كيفية صلاة إخواني الشيعة ، وعندما وصلت أمام الباب الخشبي الكبير رأيت الناس ينحنون احتراماً للسيدة ومكانتها ، دخلت وأحسست بشعور الهيبة يلّف بي ، وتابعت سيري ووقفت أمام الضريح والناس مشغولة بالدعاء أو البكاء أو الصلاة ، لم أشعر بنفسي إلّا وأنا أبكي !

تذكرت واقعة كربلاء وما جرىٰ فيها ، وتذكرت صمود السيدة زينب عليها‌السلام في هذه المأساة ، ودون سابق معرفة بدأت أضرب على صدري ، لم أعرف كيف فعلت ذلك ، هل لأنني رأيت الآخرين يفعلون ذلك أمامي أم حالة نفسية دفعتني إلى ذلك ! لقد أهابني المنظر في المقام.

ولفت نظري صلاة الأخوة هناك ، ومع ذلك قلت : يجب عليّ أن أصلّي ركعتين وأهب ثوابها للسيدة عليها‌السلام ، ثم دعوت وخرجت وقلت في نفسي : إن الصلاة لا تختلف بيننا وبينهم سوىٰ أنهم يسجدون على التربة ، وسوف أبحث حول هذا الموضوع مع «أبو عبدو» عندما ألتقي به ، ثم ركبت سيارة العودة ، وقلت : الآن سأجد والدي غاضباً عليّ لتركي إياه في المدينة ، ولكن عندما يعلم أنني قد استفدت من هذه الزيارة سيطمئن ويهدأ.

٨٠