ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-8629-12-9
الصفحات: ٢٦٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الرجل : أسمي جمال بلوي من سكان «اعزاز» ، وهي منطقة ريفية تابعه «لحلب» متاخمة لحدودنا مع «تركيا».

قلت : يبدو أنّك لأوّل مرّة تحضر إلى المشهد هنا ، لأنني دائم التردد اليه ولم أرك فيه سابقاً ؟

الأخ جمال : هذه المرّة الثانية ، فالزيارة الأولىٰ كانت منذ زمن طويل ، وأنا سنيّ وأريد قراءة كتب الشيعة.

قلت : يبدو أنّك تعمل في مجال الزراعة على ما أعتقد ؟

الأخ جمال : لا ، أنا أعمل مؤذناً لمسجد في القرية ، وأحياناً ألقي دروساً في المسجد على بعض الشباب.

قلت : إذا أردت بعض الكتب من فكر أهل البيت عليهم‌السلام أستطيع تأمينها لك ، وهذا عنواني ورقم هاتفي ، أرجو أن تزورني في المنزل لاعطائك ما يلزم.

الأخ جمال : شكراً لك ، فأنا لم أقرأ سابقاً سوىٰ كتاب «المراجعات» ، وأرغب بالمزيد من الكتب لأتعرف عن الفكر الإمامي ، والآن أرجو الاذن منك ، فمنزلي بعيد ويأخذ وقتاً للوصول إليه ، أزورك لاحقاً.

قلت : لك ماتريد وأتمنىٰ أن نجتمع سوية مرّة أُخرىٰ ، وإلى اللقاء.

انتهى اللقاء ، وحصلت بعد ذلك عدّة لقاءات في منزلي وفي منزله بالقرية ، وكان أبرزها ما جرى بيننا من حوار في منزلي.

١٨١

حوار مع الأخ جمال حول مواضيع متعدّدة :

بعد لقاءات متفاوتة الزمن حضر لزيارتي الأخ جمال وهو منفعل..

وقال لي : إنّني أنصحك أن تفكر قليلاً في مسألة الشيعة ، فهم يقولون إنّ الحسنين أبناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهما أبناء علي وأبناء فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قلت : السؤال هذا ذكرني برواية قرأتها ، وهي مناظرة بين الحجاج وفقيه العراق يومها يحيى بن يعمر ، وسأورد لك نص المناظرة ليتبين لك الأمرء :

الحجاج يسأل الفقيه : أنت تزعم أن الحسن والحسين عليهما‌السلام من ذرية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

قال : ما أنا زاعم بذلك ، بل أقول الحق.

الحجاج : بأي حق تقول ؟

الفقيه : بكتاب الله عزّ وجلّ.

الحجاج : هذا مما لم أكن أسمع به.

ثم فكر الحجاج ملياً ، ثم قال ليحيى الفقيه : لعلك تريد أن تقول هذه الآية : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ

١٨٢

فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ) (١) ، وأن رسول الله خرج للمباهلة مع عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام أمام وفد نجران أو نصارىٰ نجران.

فقال الفقيه : والله إنّها لحجّة بالغة ، ولكن ليس منها أحتج لما قلت.

فاصفر وجه الحجاج وفكر ملياً ، ثم رفع رأسه إلىٰ يحيى قائلاً : إن جئت من كتاب الله بغيرها فلك عشرة الآف درهم ، وإن لم تأت بها فأنا في حلٍّ من دمك.

قال الفقيه : قال الله عزّ وجلّ (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) (٢) من عنى بذلك يا حجاج ؟

الحجاج : إبراهيم عليه‌السلام.

الفقيه : فداود وسليمان من ذريته ؟!

الحجاج : نعم.

الفقيه : وقال عزّ وجلّ أيضا (وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (٣).

وقال الفقيه : ومن أين كان عيسىٰ من ذرية إبراهيم عليه‌السلام ولا أب له ؟!

_____________

(١) آل عمران : ٦١.

(٢) الأنعام : ٨٤.

(٣) الأنعام : ٨٤ ـ ٨٥.

١٨٣

الحجاج : من قبل أمه مريم عليها‌السلام.

قال الفقيه : فمن أقرب مريم عليها‌السلام من إبراهيم عليه‌السلام أم فاطمة عليها‌السلام من محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وعيسىٰ من إبراهيم أم الحسن والحسين عليهما‌السلام من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

فكأن الحجاج ألقم حجراً ، ونادىٰ : أطلقوا سراحه وادفعوا إليه عشرة الآف درهم (١).

فقلت : ما رأيك الآن يا أخ جمال ؟

الأخ جمال : الحقيقة أنني أوّل مرّة أسمع هذه المناظرة ، وكأنني لم أقرأ القرآن ، ولكن أنتم تقولون : إنّ هناك آيه التطهير نزلت في أهل البيت ، والمعلوم أنّ أهل البيت هم زوجات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنتم تأولون الآيات على هواكم ورأيكم ، وإذا تأملت في الآية وماقبلها ومابعدها تجدها موافقة لذكر نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

قلت : أعلمك أنّ الأمة الاسلامية أجمعت بأن الآية ممكن أن يكون أوّلها شيء وأوسطها شيء وآخرها شيء آخر ، وقد روى علماء أهل السنة أن هذه الآية نزلت في بيت السيدة أم سلمة رضي الله عنها ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في البيت ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، وقد جلّلهم بعباءة خيبرية ، وقال : «اللهم هؤلاء أهل

_____________

(١) العقد الفريد للأندلسي : ٢ / ٤٨ ، سير أعلام النبلاء للذهبي : ٤ / ٤٤١.

١٨٤

بيتي ، فأنزل الله سبحانه (إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (١) ، فتلاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأرادت أم سلمة رضي الله عنها أن تدخل معهم في العباءة فمنعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالت : يا رسول الله ألست من أهل بيتك ، فقال لها إنكِ إلىٰ خير (٢) ، ولم يقل لها إنكِ من أهل بيتي.

الأخ جمال : هل ذكر ذلك الذي ذكرته أحد من أعلام السنة ؟

قلت : نعم ، ذكره الحاكم في المستدرك ، والسيوطي في الدرّ المنثور ، وابن حجر العسقلاني في الاصابة ، والعلّامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، وغيرهم كثير (٣).

_____________

(١) الأحزاب : ٣٣.

(٢) والجدير بالذكر أنّ عائشة روت هذا الحديث أيضاً ، فقد أورد ابن عساكر في تاريخه عن عمير بن جميع قال : دخلت مع أمي على عائشة ، قالت : أخبريني كيف كان حبّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي ؟ فقالت عائشة : كان أحب الرجال إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لقد رأيته وقد أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسناً وحسيناً ، ثم قال : «اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» ، قالت : فذهبت لأدخل رأسي ، فدفعني ، فقلت : يارسول الله أو لست من أهلك ؟ قال : «إنكِ على خير ، إنكِ على خير».

راجع : تاريخ دمشق : ٤٢ / ٢٦٠ ، وابن كثير في تفسيره : ٣ / ٤٨٩ ، وأحمد بن حنبل في مسنده : ٦ / ٢٩٢ (٢٦٥٥١) ، وابن عساكر في تاريخه : ١٤ / ١٤٠.

(٣) مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٥٧ (٤٧٦٣) ، الدر المنثور : ٥ / ٣٧٧ ، الاصابة :

١٨٥

ولقد وصل هذا الحديث حدّ التواتر عند أهل السنة ، والمخالف الذي لم يذكره عُدّ شاذاً عند أعلام السنة.

ونحن نتّبع هؤلاء المطهرين ونتعبد بالمذهب الجعفري نسبة للإمام السادس جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام ، ونوالي باقي الأئمة الستة الآخرين إلىٰ تمام الاثني عشر إمام بنصّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاتمهم القائم عجل الله فرجه.

الأخ جمال : ولكن المذاهب أربعة ، وهي مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد بن حنبل ، فمن أين جاء المذهب الخامس ؟

قلت : إنّ المذاهب الإسلامية هي أكثر من أربعة ، وكان لهم أعلام أيضاً ، أمثال الأوزاعي ، وسفيان الثوري ، والمعتزلة ، وغيرهم.

الأخ جمال : لكن الثابت عندنا أنّ هؤلاء الأئمة وصلوا درجة الاجتهاد في الفقه وإبداء الرأي وهم على زهد وتقوىٰ ، فوجب على الجميع اتباعهم والأخذ بقولهم.

قلت : إذن أنت تقصد بأنّ هذه الصفات خاصة لهؤلاء الأربعة فقط ، ومعنىٰ ذلك أنك تشكك بباقي أعلامكم ، كأصحاب الصحاح والسير والكلام ، فهل هذا معقول ؟!

_____________

٨ / ٥٦ ، تحفة الأخبار بترتيب شرح مشكل الآثار للطحاوي : ٨ / ٤٧٠ ـ ٤٧٦ ، إرشاد الفحول للشوكاني : ٨٣.

١٨٦

إنّ هذه المذاهب الأربعة تم تثبيتها بقرارات سياسية وهذا ثابت ، فما معنى ذهاب الأوزاعي والثوري هل كانوا ضعفاء في الرأي ؟! حتى أن أصحاب المذاهب الأربعة لم يثبتوها ؛ بل جاء تلامذتهم وأقروها مع قرار سياسي لغاية ، وهي دفع أهل البيت عليهم‌السلام عن الفتوى والاجتهاد وتقريب الناس إليهم ، وهذا ما أراد فعله سلاطين الطغيان لإبعاد الناس عن أهل البيت عليهم‌السلام ولتثبيت دعائم دولتهم بالقهر والغلبة.

لقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» (١) ، والإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام سيد هذه المذاهب بلا منازع ، والدليل على ذلك : حاجة الكلّ له وهو لا يحتاج إلىٰ أحد ، وقد تتلمذ على يده أو تخرج من عنده أربعة آلاف كلهم يقولون : حدثنا جعفر بن محمد.

فمن تلامذته أبو حنيفة وله كلمة شهيرة : «لولا السنتان لهلك النعمان» (٢) ، أي : لولا السنتان التي حضر فيها أبو حنيفة عند الإمام الصادق عليه‌السلام لكان من الهالكين ولم يعرف الفقه.

كما أن مالك قال عنه : «ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر

_____________

(١) مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٦١ (٤٧٧٨) ، فضائل الصحابة لابن حنبل : ٢ / ٧٨٥ (١٤٠٢) ، مجمع الزوائد للهيثمي : ٩ / ١٦٨.

(٢) مختصر التحفة الاثنىٰ عشرية للآلوسي : ٨.

١٨٧

على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد» (١).

وهؤلاء الاثنان تلقىٰ على أيديهما العلم كلاً من الشافعي وأحمد ابن حنبل.

وجابر بن حيان رائد الكيمياء هو تلميذ الإمام الصادق عليه‌السلام.

وقد خاطب الإمام الصادق عليه‌السلام أبا حنيفة قائلاً : «يا أبا حنيفة لا تقس الدين برأيك فإن أوّل من قاس إبليس لعنه الله قال خلقتني من نار وخلقته من طين» (٢).

وسأعطيك كتاباً لأحد العلماء يناقش المذاهب الأربعة مع مذهب الإمامية وهو : «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة».

الأخ جمال : شكراً لك ، ولكن هناك أيضاً سؤال حول تعظيم الشيعة للقبور ويصلّون عندها وهذا لا يجوز وهو بدعة ، وأنت تعلم ما هي البدعة ؟!

قلت : البدعة هي أن يضيف المرء إلى الدين ما ليس فيه ، ولكن أخرج صحيح مسلم حديثاً أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زار قبر أمه آمنة رضي‌الله‌عنه بالقرب من المدينة (٣) ، وزار البقيع واستغفر للمدفونين هناك (٤) ،

_____________

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، نقلاً عن التهذيب لابن حجر.

(٢) الحدائق الناضرة للبحراني : ١ / ٦١ ، المحاسن للبرقي : ١ / ٢١١ (٨٠).

(٣) صحيح مسلم : ٢ / ٠٥٩ (٩٧٦) ، السنن الكبرى للبيهقي : ٤ / ١٢٧.

(٤) صحيح مسلم : ٢ / ٥٥٨ (٩٧٤).

١٨٨

والزيارة عند الشيعة من علائم الإيمان.

فالشيعة يزورون قبور الأئمة من أهل البيت ، والصلاة هناك هي عبادة لله وحده ، والمؤمنون يسألون حوائجهم من الله تعالى ويبتهلون إليه خاشعين ، ألا تزور أنت أمك أو أحد اقربائك وتدعو له وتستغفر الله ؟!.

الأخ جمال : نعم أزور أقربائي وأدعو لهم.

قلت : فكيف إذن بأبناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أليس من باب أولىٰ زيارتهم والدعاء عندهم ؟!

الأخ جمال : لقد ذكرت أموراً كانت غائبة عنا ، بل كنا نفكر حولها بطريقة مغلوطة ، جزاك الله خيراً.

ثم انتقل موضوعنا حول الصحابة ، وهو أن الشيعة تكفّر الصحابة ، وكان متردداً بطرح السؤال عليَّ.

الأخ جمال : إنّ الشيعة تكفّر الصحابة ولا تأخذ بأقوالهم ، بينما لا يجب أن ننسىٰ فضل الصحابة وما قدموه ؟

قلت : يجب علينا أوّلاً معرفة معنى الصحابة.

ومعناه أي صحب ، صاحب ، أي عاشر أو رافق ، هذا لغة (١).

فالصحبة يمكن أن تكون على عدّة أوجه : منها يشمل أوجه

_____________

(١) لسان العرب : صحب.

١٨٩

الخير ، ومنها أوجه الشر.

فيمكن أن يكون بمعنى الصحبة شراً أو كافراً ، فالصحبة ليست فضيلة ، وهذا كتاب الله عزّ وجلّ يحدثنا عن سيدنا يوسف عليه‌السلام عندما دخل سجن العزيز كان معه اثنان ، هما ساقي الملك وطباخه ، وخاطبهم النبي يوسف عليه‌السلام : (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) (١) ، وكانا كافرين لم يؤمنا بالله ، فهل تعدّ هذه فضيلة ؟ فيجب مع الصحبة أن يكون إيمان كامل.

وللتوضيح أكثر عرّف ابن حجر العسقلاني بالحرف كلمة الصحابي : أنّه كل من لقي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مؤمناً به ، ومات على الإسلام ، فمنهم من رآه رؤية ولم يجالسه ، ومنهم من لم يره لعارض العمىٰ ، ومنهم من روى عنه (٢).

وهذا لدى الشيعة ليس استناداً كاملاً ، فكيف من رآه ولم يجالسه يكون صحابياً وعادلاً ، ما لم تثبت عدالته بالأدلة.

إنّ الصحابة شرعاً وعقلاً ليسوا بدرجة واحدة ، فمنهم الصادقون ، ومنهم الأقوياء ، ومنهم الضعفاء ولهم درجات أيضاً ، ومنهم المنافقون ولهم درجات.

والصحابة العدول عند الشيعة هم الذين أبلوا البلاء الحسن في

_____________

(١) يوسف : ٤١.

(٢) الإصابة لابن حجر ، الفصل الأوّل : في تعريف الصحابي.

١٩٠

نصرة الدين وجاهدوا ، ولم ينحرفوا ويبدلوا ويغيروا السنة المطهرة.

وأمّا التكفير ، فلا يكفر أحد من الشيعة الصحابة ، إنّما يناقشون أعمالهم ويذكرون المساوئ التي ارتكبوها أثناء حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد وفاته وماجرىٰ بينهم ، حيث أن الصحابة نفسهم لعن وكفّر وحارب بعضهم الآخر ، وقد حذرهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : «لا تعودوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (١).

وأكبر دليل على ذلك مافعله معاوية وخالد بن الوليد ، فأين فضل هؤلاء الصحابة ؟!

أمّا إذا قصدت بصحبة أبي بكر للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الهجرة ، فهذهِ لا تعد فضيلة ، لأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقع في مأزق عندما رأى أبا بكر يتبعه ، إذا أعاده ستنكشف خطة الهجرة ، فكان لابد من أخذه ، وقضية الغار ونزول الآية الشريفة هي تقريع للصحابي الذي كان مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار وليست منقبة ، لأن الصحابي لم يكن لديه شعور الإيمان بأن الله ناصر عبده وهو سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ بالبكاء ، فقال له النبي : (لَا تَحْزَنْ) وهذه الـ «لا» تدل على نفي وتقريع ، أي : لا تفعل .. لا تبك ، إنّ الله معنا ، فكيف نعدّها منقبة ؟

والسكينة نزلت على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم تنزل على أبي بكر ، وقوله

_____________

(١) صحيح البخاري ، كتاب العلم : ١ / ٣٩ (١٢١).

١٩١

تعالى : (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) (١) كانت للنبي ، فلا يعقل أن تنزل الجنود إلىٰ أبي بكر دون نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

الأخ جمال : هل يوجد كتاب يناقش هذه المسألة الحساسة ، أرجو أن تفيدني بذلك.

قلت : نعم ، هنالك كتاب «نظرية عدالة الصحابة» لأحمد حسين يعقوب ، وكتاب «ليالي بيشاور» ، وهما من الكتب الهامة.

الأخ جمال : لقد اكتملت لدي دلائل الحق ، ولكن بقي هناك أسئلة أحاول البحث عن إجابتها من كتب أو محاضرات.

قلت : سوف أزوّدك بكلّ ماتحتاجه ، فلكلّ شبهة لك حول الفكر الشيعي جواب ودليل ، وما عليك سوىٰ أن تقرأ الكتب المهتمة بهذا المجال ، وسوف أساعدك قدر المستطاع.

ولم تمضِ أشهر قليلة تخللتها عدّة زيارات حتى أعلن ولاءه لأهل البيت عليهم‌السلام.

_____________

(١) التوبة : ٤٠.

١٩٢

الحوار مع الشيخ محمود الحوت :

سمعتُ يوماً من أحد أبناء «حلب» أن هناك شيخاً خطيباً فصيحاً يخطب في كل يوم جمعة بالناس ، والناس تتسابق إلىٰ مسجده لتسمع خطبته ، فأحببت سماع إحدىٰ خطبه.

وللصدفة كانت خطبته تتكلم عن صحابي من الصحابة ، حيث أخذ الخطيب على عاتقة أن يتحدث كلّ يوم جمعة عن واحد من الصحابة ، وصحابي اليوم هو معاوية بن أبي سفيان ، فبدأ بسرد قصة إسلام معاوية ، وأنّه كان من كتّاب الوحي عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد بشره بالجنة وبالخلافة والملك ، وبدأ يعد مناقب مختلفة كثيرة وأنه من الصحابة المجتهدين ، وتكلم عن فقهه وعن حربه ، وإن كان حارب الإمام علي عليه‌السلام فهو اجتهد وأخطأ ، وله أجر لأنّ الله سبحان لا يضيع أجر العاملين.

كلّ هذا وأنا جالس أستمع إليه وأعد الدقائق لانتهاء خطبته العصماء كي أجد فرصة من لقائه ، وانتهت الخطبة وقام للصلاة ووقفت جانباً حتى انتهوا ، وبدأ المخلصون له بتقبيل يده.

١٩٣

واقتربت منه ، وسلّمت عليه ، فردّ السلام ، فطلبت منه أن أطرح بعض الأسئلة ، فحاول الاعتذار ، ولكن قلت له : إنّ خطبتك أعجبتني كثيراً ولي بعض التعليقات عليها ، فدعاني إلىٰ غرفته الجانبية مع بعض الأخوة وجلسنا ، ومن ثم قال لي : تفضل اسأل.

قلت : شيخنا ، لقد تحدثتم واستفضتم حول الصحابي معاوية بن أبي سفيان ، ولكن أنا لم أقتنع بكلامكم هذا لسببين :

أوّلهما : إنني لم أر فضيلة تذكر له وأن النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يروِ له حديث منقبة.

ثانياً : إنّ الأحاديث التي ذكرتها كل الرواة فيها تابعون ومشكوك بأمرهم وصدقهم ، وكلهم يتحدثون وينقلون الأحاديث من بعض ، ولم يذكروا رواية من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا يعد اختلاق فضائل له وهو ليس أهلاً لها.

الشيخ الحوت : ما هذا الذي تقوله ، إنّ ابن المبارك قال : «لغبار دخل أنف فرس معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز» ، وابن المبارك مشهود له بصدقه.

قلت :

أولاً : ابن المبارك هذا تابع التابعين.

ثانياً : الفضيلة جاءت لفرس معاوية وليس لمعاوية ، فما هو وجه التفاضل فيها ؟

١٩٤

ثم إنّ الخليفة عمر بن عبد العزيز قد أجمع عليه العلماء وأنه الخليفة الأموي العادل الأوحد ، فلم يكن قبله أحد مثله ولم يأت أحد بعده في العدل ، حتى أن علماء السنة عدّوه الخليفة الراشدي السادس ، فأنت تناقض وتضرب بعرض الحائط أقوال جميع العلماء.

الشيخ الحوت : أنت جئت لتجادل ، لم أحسب هذا أبداً.

قلت : ليس الموضوع موضوع جدال ، فأنت تذكر أشياء لا يقبلها العقل والناس يستمعون إليك ويأخذون كلامك بجدية ، فأنت مسؤول أمام الله تعالى على كل كلمة تقولها ، لأن الناس ستتبع قولك.

أنت تعرف أن معاوية يعدّ من مسلمة الفتح ، وهو آخر من أسلم حتى بعد أبيه خوفاً من القتل ، وقد سموا بالطلقاء ، فمن أين أتت كل هذه الفضائل له ؟! وماكان يوماً كاتباً للوحي ، كيف يؤتمن على كتابة الوحي ؟! فكل ماكتبه هو رسالة لأحد الولاة في عصر النبوة !

بدأ الشيخ الحوت يتململ ويحاول الخروج ، ونهض أحد الحاضرين مخاطباً لي ـ وهو شاب يبدو من تلامذته ـ : أنت كيف تخاطب الشيخ بهذه الطريقة ، أرجو أن تعتذر منه وتصحح طريقة كلامك معه.

قلت : عفواً يا أخي أنا لم أسيء الأدب لشخص الشيخ ، وهو يعلم تماماً ذلك ، كل ماهنالك هو نقاش فقط.

١٩٥

أحد الحاضرين : هل تقول لنا أنك أعلم من الشيخ ، أنت لا تعلم من هو ؟!

قلت : أنا لا أقول أنني أعلم منه ، ولكن أحاول أن أذكره أموراً قد يكون نسيها ، نظراً للمعلومات الكثيرة التي تمر عليه ، ثم إنّ الشيخ أشهر من نار على علم ولا حاجه لكم أن تعرفونني عليه.

الشيخ الحوت : يابني ، أرجو أن تكون أقوالك أكثر عقلانية ، فأنت تسيء لصحابي مجتهد وله باع طويل في العلم.

قلت : أيّ إجتهاد هذا ياشيخنا الذي تتحدث عنه ؟ إنهم لم يعرفوا معنى الاجتهاد لقد سفكت الدماء وأبيحت ، وغصبت الفروج وانتهكت المحارم ، وغيّرت الأحكام من جرأته وبدّلت سنن !

فالاجتهاد له شروط وأنت عالم بها ، وهي أن يكون المجتهد عالماً عارفاً بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها ، وطرق إثباتها ووجوه دلالاتها ، وأن يعرف الناسخ من المنسوخ وأسباب النزول.

فأين يكون له هذا ، وهو لم يدخل الاسلام إلّا متأخراً ، ولم يعاشر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا فترة قصيرة جداً ، ثم بدأ بتخطيط لدولته وكيانه بعد وفاة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

أي إسلام أو اجتهاد يقول له : إن عاهدت شخصاً عليك بإسقاط عهدك معه ، وخروجك على إمام الزمان ، ألم يكن الإمام علي عليه‌السلام إمام زمانه بإجماع الناس كلهم ، فخرج عليه وعبأ الجيوش لقتاله من

١٩٦

شذاذ الآفاق الموجودين بالشام ، وعندما استشهد الإمام شكر الله لهذا ؟!

أيّ اجتهاد مأجور عليه أن يسب الإمام وابنيه ثمانين عاماً على المنابر بأمره ، ويعاهد الإمام الحسن ثم ينقض العهد معه ؟!

أحد الحاضرين : أيّها الشاب عليك بالصمت ، كفىٰ ، من أين هذه الافتراءات التي تقولها على أمير ...؟

قلت : اسألوا شيخكم فهو يعلم من أين هذه الروايات ، وأنا لا أفتري على أحد ، وإذا كان شيخكم لا يعرف وأنا لا أظن ذلك ، فها هي كتب السير والتاريخ والصحاح موجودة ، ومن الكتب في هذا المجال التي تعد هامة «ميزان الاعتدال» للذهبي ، فهو يتحدث عن رواة الفضائل وكذبهم ، كما عليكم قراءة كتاب «مروج الذهب» للمسعودي ، و «الكامل في التاريخ» لابن الأثير.

أحد الحاضرين : لقد قام معاوية بفتوحات عظيمة سأذكرها لك.

قلت : لا داعي لذكرها ، فقد بدأ بفتوحاته بقتل الصحابة وتشريدهم وإيذاء أهل البيت عليهم‌السلام !

أحد الحاضرين : إنّ الخليفة معاوية كان زاهداً عالماً بالسنن ورعاً ، ونظر إلى الشيخ ليؤكد له صدقه.

قلت : أي زهد وورع دفعه لقتل ومنع الماء عن الناس؟ وأيّ ورع والخمور تباع وتسقىٰ في عهده ؟ وبدأ باعطاء الامارات والولايات

١٩٧

لمن لهم عداء لأهل البيت عليهم‌السلام ولا يعرفون من الإسلام إلّا اسمه !

وقد قيل للنسائي : مالك لا تحدث عن فضائل معاوية ؟ فقال : «إنّي لا أجد له فضيلة سوى : لا أشبع الله بطنك» فكيف سأحدث عنه !

فضيلة الشيخ ، ألا تعلم أن معاوية حين سار بجيشه إلىٰ صفين يوم الأربعاء صلّىٰ بالناس الجمعة في هذا اليوم !!

فنهض الشيخ مزمجراً : أنت تقول شيء غير صحيح ، ويبدو أنك من هؤلاء.

قاطعته قائلاً : هذه الرواية موجودة في «مروج الذهب» (١) ، ثم مَن قصدك هؤلاء ؟

الشيخ : أرجو أن تنصرف قبل أن يحلّ غضبي عليك.

قلت : سأنصرف ، ولكن عليك أن تقول كلمة الحق وتذكر الأمور كلّها ، لا أن تلفق وتأتي بأحاديث الكاذبين والوضاعين للحديث وتجعله سنداً لأقوالك.

أحد الحاضرين : يبدو أنك من هؤلاء الشيعة الذين لا يحترمون الصحابة ؟

قلت : نعم أنا منهم والحمد لله ، أوالي أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، الذين لا تقبل صلاة لنا إلّا بالصلاة عليهم ،

_____________

(١) مروج الذهب : ٢ / ٧٢.

١٩٨

ونحن نحترم الصحابة ولكن المخلصين الذين مابدّلوا تبديلاً ، نحن نوالي عمار بن ياسر رضي‌الله‌عنه الذي بشّره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه سيقتل وتقتله الفئة الباغية ، وهذه الفئة هي معاوية وجنده.

عليك أن تراجع كتب السير لترىٰ موبقات معاوية هذا ولا تكتفي بحديث قال شيخي.

إنّ من أهم موبقات معاوية هو تنصيبه ابنه يزيد الذي جعل عباد الله خولاً وماله دولاً ، وقام بختم الصحابة من أعناقهم على أن يصبحوا عبيداً.

ومن موبقات معاوية قتله للإمام الحسن بدس السمّ له عن طريق زوجته جعدة بنت الأشعث ، وقد أغراها بالمال وأن يزوجها ابنه يزيد ، وعندما فعلت جاءته لتستوفي حقها فأعطاها المال ، فقالت له : زوجني يزيد كما وعدتني ، قال لها : لم تكوني أمينة على ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف أئتمنك على ولدي ؟!

الشيخ محمود : يبدو أنك من الذين خرجوا من السنة والجماعة ؟

أحد الحاضرين : أيّها الشاب أرجو أن تخرج حتى لا تفسد جلستنا.

قلت : أودّ تنبيهكم لأمر ، وهو أن أوّل لفظ لهذه العبارة (السنة والجماعة) كان في عهد معاوية بن أبي سفيان ، فرغم الحروب السابقة وعهد أبو بكر وعمر وعثمان لم تلفظ هذه العبارة إلّا بعد أن

١٩٩

صالح الإمام الحسن عليه‌السلام معاوية على شروط ، أوّلها ترك شتم أهل البيت على المنابر ، والسير بالناس بسيرة حسنة ، وعلى أن تعود الخلافة إلى الإمام الحسن أو أهل البيت بعد وفاة معاوية ، لا أن يولي ولده الفاسق يزيد.

ولكن معاوية نقض العهد وخطب بالناس قائلاً :

«أني والله ماقاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، ألا كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي عليه‌السلام فتحت قدمي هاتين» (١).

ثم أطلق على ذلك العام (عام السنّة والجماعة).

روىٰ أبو الحسن علي بن محمد أبو سيف المدائني في كتابه «الأحداث» قال : «كتب معاوية نسخة واحدة إلىٰ عماله : «أن برئت الذمة ممن روىٰ شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته» (٢) ، فقام الخطباء في كل كورة ومنبر يلعنون الإمام علي عليه‌السلام ويبرأون منه ويشتمون أهل البيت ، ومن يومها انقسمت الأمة إلىٰ فرق كثيرة ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

وعمر بن عبد العزيز هو أوّل من أسقط هذا الشتم وأنزل مكانه :

إنّ الله يأمر بالعدل وبالاحسان وايتاء ذي القربىٰ حقه والأمر

_____________

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد : ١٦ / ١٥.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد ١١ / ٤٤ ، أخبار الدول العباسية : ٤٧.

٢٠٠