🚖

ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
ISBN: 964-8629-12-9
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

يدخل الظالمون الجنة !

وورد في الأحاديث أنّ السيدة فاطمة عليها‌السلام بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفيت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر ، وقد نقل لنا في الصحيح قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفاطمة : «إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك» (١) ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من آذىٰ فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله».

كما لا يخفىٰ عليكم أن الذي حدّث بهذا الحديث هو سعيد بن زيد بن نفيل وهو أحد العشرة المبشرة بهم ، وتعلمون أن من زكىٰ غيره بتزكية نفسه لا تثبت تزكيته لمن زكىٰ في الإسلام ، وقد قال سبحانه في كتابه العزيز (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) (٢) ، وهذا الحديث وضع مقابل حديث الأئمة الاثني عشر المشهور عند الطرفين.

الصحابي عند الإمامية :

أما الصحابي عند الإمامية : هو من صحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحفظ شرف الصحبة ومات مؤمناً ، ولم يرتد على عقبه القهقرى بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

الشيخ زكريا : ها ، أنت تقول مثل قولهم : إنّ الصحابة ارتدوا ،

_____________

(١) مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٦٤ (٤٧٨٩).

(٢) النجم : ٣٢.

٢٢١

فكيف ذلك ؟!

الشاب : لقد تبيّن لي أنك تفكر مثل تفكيرهم فاحذر ؟!

قلت : أنا لا أقول إلّا بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هل تأخذون بقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم ماذا ؟!

الشيخ زكريا : قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نعم القول ، فماذا قال الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قلت : لقد أخرج مسلم في صحيحه حديثاً عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ألا ليذادن رجالٌ عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، أناديهم : ألا هلم ، فيقال : إنّهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً...» (١).

فليس من العدل إذن أن نحكم على عدالة كل الصحابة ، أو نخص عشرة بالجنة بعدما علمنا أن منهم الداخلين إلى الاسلام قهراً كأبي سفيان وابنه معاوية ، ومنهم من شرب الخمور وهتك الحرمات وسبىٰ وقاتل الإمام علي عليه‌السلام ، ومنهم من ارتد ثم عاد ثم ارتد ، فالصحبة عند الإماميه لها معايير خاصة.

قد يحتج البعض أن الصحابة هم نقلة السنة والآثار النبوية.

وأقول : لا بأس ، وهناك من أحرق السنة النبوية التي كانت مدوّنة ، فقد ورد أنّ عمر أمر الصحابة أن يجمعوا الأحاديث ويأتوا بها إليه ،

_____________

(١) صحيح مسلم : ١ / ١٨٤ (٢٤٩).

٢٢٢

فلما جاءوا بها فأحرقها (١) ، فبذلك لم ينقل إلّا القليل ! بينما نجد السنة النبوية المطهرة موجودة ونقلت لنا عبر صحابة مخلصين وأهل بيت مطهرين عليه‌السلام.

الشيخ زكريا : هل هناك من ناقش هذا الموضوع حول الصحابة وارتدادهم ، وحول الأحاديث الملحقة ؟

قلت : نعم يوجد كتاب «نظرية عدالة الصحابة» لأحمد حسين يعقوب ، وهناك كتابان أحدهما «ميزان الاعتدال» للذهبي والآخر «الموضوعات» لأبي الفرج ابن الجوزي.

الشاب : لقد طرحت موضوعاً غاية في الخطورة ويحتاج لبحث أعمق !

الشيخ زكريا : إنّ ماطرحته الآن نسف مافي ذهني من رؤىٰ خاصة بالصحابة !

قلت : أكرّر لكم : إنّ الامامية لا تكفر أحداً ، إنّما تأخذ عليهم مآخذ قاموا بها كان من الواجب تركها إن كانوا مؤمنين حقاً ، وهناك الكثير من القضايا التي صدرت من الصحابة دلّت على عدم الإيمان لديهم بالمعنى المطلق ولم يعملوا بالسنة المطهرة ، حتى التابعين انقسموا إلى فرق كل فرقة حسب ميولها واعتقادها بالصحابة ، حتى

_____________

(١) طبقات ابن سعد : ٥ / ١٤٣ (ترجمة القاسم بن محمد).

٢٢٣

أنك ترى الفرقة البكرية وضعت فضائل في أبي بكر وصلت حدّ الغلو ، كقولهم : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما أسري به عرج إلىٰ السماء هاب هذه الرحلة وخاف ، فجعل الله سبحانه ملكاً يتصور بصورة أبي بكر في كل سماء يمر بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى يستأنس ولا يخاف.

أنظروا يرحمكم الله لهذا الحديث هل يقبله أحد ؟!

أو الفرقة العمرية الذين جعلوا الله سبحانه وتعالى ينزل الآيات موافقة لرأي عمر بن الخطاب (١) ، أو أنّ الشيطان يفرّ من أمام عمر ويضرط (٢) ! وإمام الرسول يعترض صلاته ويقطعها ! فهل تقبل هذه الأحاديث أيها الشيخ الكريم ؟! فهل يُقبل أن الله سبحانه يترك نبيّه ويأخذ بقول آخر ؟!.

الشيخ زكريا : سوف أقوم بإعادة البحث عبر الكتب التي ذكرتها لنا ، وإذا وجدت كتباً أخرىٰ أرجو أن تعلمني بها.

قلت : هناك كتاب اسمه «معالم المدرستين» للعلّامة مرتضى العسكري ، وله كتاب أيضاً اسمه «مائة وخمسون صحابي مختلق» ، وهذان الكتابان يغنيان عن الكثير من الكتب ، وأضف لمعلوماتك كتاب «أحاديث عائشة أم المؤمنين» للشيخ هشام آل قطيط فهو من

_____________

(١) صحيح مسلم : ٣ / ١١١٠ (١٧٦٣) ، أسباب نزول القرآن للواحدي : ٢٤٤ (٤٨٨).

(٢) سنن الترمذ : ٦ / ٦٢ (٣٦٩٠) و (٣٦٩١).

٢٢٤

الكتب الجيدة ويناقش فيه أحاديث كثيرة مفتعلة ، وكتاب «الغدير» للعلامة الأميني ، فهو يناقش أيضاً سلسلة الأحاديث الموضوعة.

الشاب : الساعة قاربت الثالثة أرجو أن تأذن لنا سوف يدركنا الصباح.

الشيخ زكريا : عذراً للاطالة ، لقد وجدنا فائدة كثيرة بالحديث معك ، ولكن الوقت تأخر وسوف نلتقي لاحقاً.

قلت : على كلّ أنا لا أريد إتعابكم وهذا رقم هاتفي أرجو أن نبقىٰ على اتصال.

الشيخ زكريا : أعدك أنّه لابد من لقائنا ، وهذه المرّة عندي في القرية ، وسوف تنام عندي أنت وصديقي ، والآن السلام عليكم وفرصة طيبة تعرفنا عليك.

قلت : وعليكم السلام والرحمة كنت سعيداً بمعرفتك.

٢٢٥

٢٢٦

وانكشف الزيف :

بعد البحث الذي قمتُ به وبعد مراجعة الكم الهائل من المصادر التاريخية ، وبعد تردّدي على العلماء من الطرفين ، بدأ فضولي يزداد أكثر فأكثر ، كلّما قرأت كتاباً سعيت إلىٰ أخذ المصادر التي اعتمد عليها الكاتب أو المحقق حتى تكون لي القدرة على المناقشة بصورة أوسع لأستند إلىٰ دلائل أقوىٰ حجة ، وكلّما قارنت الأحاديث وبحثت عن مصداقية الرجال الرواة لدىٰ السنة يتبيّن لي زيف الرجال ، بل زيف الإدعاء بالسنة.

ما كان أبوبكر وعمر وعثمان وأبو هريرة ومعاوية وغيرهم من الصحابة حريصين على سنة النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى استدلالتهم لم تكن صادقة عندما قاموا بمؤامرة السقيفة.

وسأنقل لكم زيف بعض الأحاديث التي استدلّ عليها القوم :

زيف «مُروا أبابكر ليصلّ بالناس» :

عند البحث والتقصّي وجدتُ أنّ أبابكر لم يكن الوحيد الذي يصلّي بالناس ، كما يحتج الكثير من علماء السنة بأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٢٢٧

قد سمّىٰ خليفته بالإشارة أو القول بوساطة زوجته عائشة ابنة أبي بكر بأن يؤم الناس في الصلاة ، فبنوا رأيهم عن هذا الحديث.

قالت عائشة ـ والرواية هي تنقلها ـ : «لما ثقل رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال : مروا أبابكر فليصلّ بالناس ، فقلت : يارسول الله إنّ أبابكر رجل أسيف وأنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس فلو أمرت عمر ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مروا أبابكر فليصلّ بالناس ، قالت : فقلت لحفصة : قولي له إنّ أبابكر رجل أسيف وإنه متىٰ يقوم مقامك لا يُسمع الناس فلو أمرت عمر ، فقالت له ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مُروا أبابكر فليصلّ بالناس ، قالت : فأمروا أبابكر يصلّي بالناس» (١).

وهذا الحديث يسقط لعدّة أوجه :

أولاً : لم يذكر هذا الحديث أحد سوىٰ عائشة ، وهذا معناه حديث آحاد لا يقبل.

ثانياً : هي تعرّف رسول الله بأبيها ، وهل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يعرف أبابكر ، فلماذا هذا التركيز ؟!

ثالثاً : لماذا تطلب من حفصة ذلك ، فهي تزكي والدها وتزكي عمر ، بل تدفع بحفصه لتزكيتهما.

_____________

(١) صحيح مسلم : ١ / ٢٦٣ (٤١٨).

٢٢٨

رابعاً : إنّ أبابكر صلّىٰ وراء العديد من الصحابة :

أ ـ صلاة عمرو بن العاص إماماً ويؤمّه أبوبكر وعمر وجماعة من المهاجرين في غزوة ذات السلاسل.

ب ـ هذا البخاري يحدّثنا أنّ سالم مولىٰ أبي حذيفة يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء (١).

ج ـ يوم فتح مكة أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عتاب بن أسيد أن يصلّي بالناس ومعهم أبو بكر (٢).

د ـ عندما مرض عمر بن الخطاب دعا صهيب الرومي أن يؤم المصلّين بما فيهم المبشرين بالجنة (٣).

فلماذا لم يحتج كلّ هؤلاء بأولويتهم بالخلافة ؟ حتى أن أبابكر لم يحتج بذلك يوم السقيفة ، فيتبين لنا أنّ هذا الحديث مختلق موضوع ، وضعه الأمويون لتبرير إقصاء الإمام علي عليه‌السلام عن الخلافة ، وبعد هذا سقط زيف الصلاة.

زيف الشورىٰ :

من ادعاءات السنة أنّ الخليفة يسمىٰ عن طريق الشورىٰ كما

_____________

(١) صحيح البخاري : ٤ / ٣٨٥ (٧١٧٥) كتاب الأحكام.

(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد : ٢ / ١٠٤ (غزوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عام الفتح).

(٣) الكامل في التاريخ لابن الأثير : ٣ / ٥٠.

٢٢٩

حدث في السقيفة إستناداً للأية (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (١) ، وإذا أردنا مصداقية زيف الشورى فلابد من ذكر حادثة السقيفة ، لنرىٰ هل تمت بشورىٰ ، أم بقهر وغلبه ؟ وهل كان النصاب شرعياً ؟

السقيفة وما أدراكم ما السقيفة :

تهافت كل من الأنصار والمهاجرين لوضع يد السبق في تأسيس كيان السلطة الجديدة ، فكان أوّل القادمين لسقيفة بني ساعدة الأنصار ، فاجتمعوا وحزموا أمرهم على التفرد بالسلطة دون قريش ، وكان المرشح الأوّل للمنصب وادارة السلطة هو سعد بن عبادة ، وكانوا بأشد الحرص أن لا تعلم قريش بذلك ، ولكن العسس الموالين لأبي بكر وعمر كانوا بالمرصاد لهم ، فأخبروا أبابكر وعمر بتدبير القوم ، فهرع أبو بكر وعمر مهرولين ومعهم أبو عبيدة بن الجراح واقتحموا قصر المؤتمرات ، ولقوا بطريقهم أسيد بن حضير وعويم بن ساعدة وعاصم بن عدي.

وأنقل لكم ما قاله عمر بن الخطاب حين أتاهم : وإذا برجل مزمل ، فقالوا : هذا سعد بن عبادة متوعك قليلاً ، ثم قام خطيبهم فتشهد وأثنىٰ على الله ، ثم قال : أما بعد فنحن أنصار الإسلام

_____________

(١) الشورىٰ : ٣٨.

٢٣٠

والرسول وأنتم معشر المهاجرين رهط ليس إلّا... ، فأردت الكلام فمنعني أبوبكر ، ثم نهض أبوبكر وحمد الله وأثنىٰ عليه ، ثم ذكر فضل المهاجرين وأنهم السابقون الأولون وهم أولياء الرسول وعشيرتة وأحق بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم في ذلك إلّا ظالم ، ثم بدأ يذكر فضل الأنصار ، وقال : وليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم ، فلنشترك بالأمر نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، وأنا أدعوكم إلىٰ أبي عبيدة أو عمر ، وكلاهما رضيت لكم وهما له أهل.

فقال عمر وأبو عبيدة : ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبابكر.

ثم نهض الحباب بن المنذر ـ تعصف به النخوة وحبّ الرياسة ـ فقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.

فقال سعد : هذا أول البلاء.

فنادىٰ عمر قائلاً : هيهات ، لا يجتمع اثنان في قرن.

فصاح الحباب : يامعشر الأنصار أملكوا عليكم أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، وإن لم يرضوا بمطالبنا فأخرجوهم من بلادكم والله لا يرد عليَّ أحد إلّا حطمت أنفه بسيفي.

قال عمر : إذن يقتلك الله.

٢٣١

وأجاب الحباب : بل إياك يقتل (١).

فبدأ الجدال والهرج بين القوم ، وكلّ منهم يبذر مواهبه وإمكانياته !

ثم قال عمر لأبي عبيدة : أبسط يدك لأبايعك.

فقال أبو عبيدة : ماهذا الكلام الذي تقوله ، فأنا لم أجد لك غلظة في حياتك السابقة ، أتريد مبايعتي وأبو بكر فينا.

وكلمة أبي عبيدة ضربت قلب عمر بالصميم ، لأنّه حسب أن يردّ الأمر عليه ، وهو يعلم أنّ أبابكر إذا وليها لن يعطيها عمر ، ولكن يبقىٰ أبوبكر بنظر عمر أهون من بني هاشم والأنصار ، واستطاع فيما بعد بتدبير مع عثمان أن تصل السلطة له.

وعندما علت الأصوات قال المنذر بن الأرقم : إنّ فيكم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لن ينازعه أحد ، قال مخاطباً الملأ ، وقد عنى بعليّ بن أبي طالب.

فقال بعض الأنصار : لا نبايع إلّا علياً.

عندما سمع هذه المقولة عمر شدّ على يد أبي بكر ، وقال : أبايعك على أن تكون خليفة المسلمين ، وتلاه أبو عبيدة ، وعبد الرحمن بن عوف.

_____________

(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٢٢٠ ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ٢٤ ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : ٢ / ٣٣٠.

٢٣٢

نهض سعد بن عبادة ، وقال : لا تخرجوا هذا الأمر من قوم هم أحق به منكم.

وتراكض الناس وكادوا يقتلون ابن عبادة ، وصاح عمر : اقتلوه قتله الله ، ثم قام على رأسه وقال : لقد هممت أن أطاك حتى ينتدر عضدك.

فأخذ قيس بن سعد برأس عمر قائلاً : والله لو حصصت منه شعرة مارجعت وفي فمك واضحة.

وقال سعد : والله لو أن بي قوّة ما لسمعت مني زئيراً يجحرك وأصحابك ولألحقك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع ، إحملوني من هذا المكان ، ورفض زعيم الأنصار مبايعة أبي بكر ومعه بعض أصحابه وخرجوا (١).

من لم يبايع ومن لم يكن موجوداً :

ذكر ابن عبد البر في كتابه «الاستيعاب» والبلاذري في «تاريخه» وغيرهم من أرباب السير : أنّ سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وجماعة من قريش لم يبايعوا أبابكر في السقيفة ، وعدّ ثمانية عشر من كبار الصحابة لم يكونوا موجودين وقتها بالسقيفة ،

_____________

(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٢٠٢ ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : ٢ / ٣٣٠.

٢٣٣

ثم رفضوا البيعة (١).

وننقل إليكم أسماء من لم يحضر للبيعة من شيعة عليّ بن أبي طالب وأنصاره ، وهم :

سلمان الفارسي ، أبوذر الغفاري ، المقداد بن الأسود ، أُبّي بن كعب ، عمار بن ياسر ، خالد بن سعيد بن العاص ، بريدة الأسلمي ، خزيمة بن ثابت ، أبو الهثيم بن التيهان ، عثمان بن حنيف ، سهل بن حنيف ، جابر بن عبدالله الأنصاري ، أبو أيوب الأنصاري ، حذيفة بن اليمان ، عبدالله بن عباس ، زيد بن أرقم ، سعد بن عبادة ، قيس بن سعد.

وعلى رأس هؤلاء تخلّف أهل البيت عليهم‌السلام جميعاً ، وجيش أسامة ابن زيد بكامله ، بالإضافة إلى العباس بن عبدالمطلب عم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والبراء بن عازب ، كانوا مع الإمام علي عليه‌السلام ، وهؤلاء خيرة أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفوته لم يكونوا حاضرين.

فأين الاجماع على أبي بكر ؟! وأين الشورى التي ينعقون بها ليل نهار ؟! وأين نصاب التصويت ؟!

_____________

(١) الاستيعاب : ٣ / ٩٧٣.

٢٣٤

أبرز العوامل التي دفعتني للتشيّع هي آية التبليغ :

هناك أمور كثيرة دفعتني للتشيع أذكر منها :

ثبوت أن مذهب أهل البيت عليهم‌السلام هو الفرقة الناجية ، ونصّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصريح على خلفائه الاثني عشر خليفة ، وعدم ثبوت أن أهل السنّة يتمسّكون بالسنّة ، والافتراءات التي وجدتها على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته والافتراء على الأنبياء عليهم‌السلام ونسبتهم للخطأ والمعصية ، وثبوت تأكيد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على التمسّك بكتاب الله وعترته أهل بيته من خلال مصادر سنية.

لكن أبرز العوامل التي دفعتني للتشيع هي :

آية التبليغ ، والآية هي قوله تعالى : (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (١) ، وهذه الآية الكريمة نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غدير خم ، وقد أجمع المفسرون من السنة والشيعة على أنّها نزلت في شأن الإمام عليّ عليه‌السلام ، وهي أمر إلهي بتنصيب الإمام عليه‌السلام خليفة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والإمام

_____________

(١) المائدة : ٦٧.

٢٣٥

الواجب طاعته.

فعند مانزل الأمين جبرئيل عليه‌السلام بالأمر أشفق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مخالفة القوم لأمره ، ونادىٰ ربّه قائلاً : يارب إنّ قومي حديثوا عهد بالجاهلية ، فمتى أفعل هذا يقولوا : يريد الأمر لابن عمه وأهله.

فهبط الأمين مرّة ثانية وقال له : يامحمد ، إنّ الله يقرئك السلام ، ويقول لك : (بلّغ بشأن عليّ) ، ولقد كان عدد الحاضرين مائة ألف ويزيدون ، وأمر الناس بالبيعة ، وألبس الإمام عمامته السحاب ، وصعد الناس ليبايعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمام عليّ عليه‌السلام وعلى رأس القوم أبو بكر وعمر ، وقال عمر للإمام عليه‌السلام : هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولىٰ كل مؤمن ومؤمنة (١) ، وبعض الروايات جاءت بلفظ بخٍ بخٍ لك ياعليّ (٢).

ثم قال أبو سعيد الخدري : والله ، لم ينصرف الجمع حتى نزلت هذه الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

_____________

(١) شواهد التنزيل للحسكاني : ١ / ١٩٢ (٢٤٩) ، الدر المنثور للسيوطي : ٣ / ١٩ ، فتح القدير للشوكاني : ٢ / ٢٠ ، روح المعاني للآلوسي : ٣ / ٣٥٩ ، التفسير الكبير للرازي : ٤ / ٤٠١ ، فرائد السمطين للجويني : ١ / ١٥٨ (١٢٠) ، عمدة القاري للعيني : ١٨ / ٢٨٦ ، ينابيع المودة للقندوزي : ١ / ٣٥٩.

(٢) مناقب المغازلي : ١٨ (٢٤) ، مناقب الخوارزمي : ١٥٦ (١٨٣) ، شواهد التنزيل للحسكاني : ١ / ١٥٨ (٢١٣) ، تاريخ ابن عساكر : ٤٢ / ٢٣٣.

٢٣٦

وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (١) ، فنادى النبي الأعظم : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضى الله برسالتي ، وبالولاية لعلي بعدي (٢).

وقد روىٰ هذا الحديث من أهل السنة والجماعة ما يقارب ثلاثمائة وستون شخصاً ، ولكن ضغائن قوم أخفت علينا الحقيقة ، وضلّت وأضلّت الأمة بتعتيمها على ذكر الشواهد والفضائل ، وما جرىٰ بعد الوفاة هو الدليل على عدم إتباع القوم للسنة الشريفة ، ولا حتى كتاب الله المجيد.

_____________

(١) المائدة : ٣.

(٢) شواهد التنزيل للحسكاني : ١ / ١٥٧ (٢١١ ـ ٢١٣) ، البداية والنهاية لابن كثير : ٥ / ١٥٢ (١٥٢) ، و... .

٢٣٧

٢٣٨

وأعلنت التشيع :

بعد مراجعاتي وطرح : أسئلتي على عدد من المشايخ واعتراف البعض بالخطأ الحاصل في تاريخنا الإسلامي والخلل في الرؤية الإسلامية ، ذهبت إلىٰ صديقي (أبو عبدو) وبدأنا بالحديث حول تلك الأمور.

نوّه لي أبو عبدو بحديث من صحيح البخاري ، هو قول عمر بن الخطاب : «من بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه ، تغرة أن يقتلا» (١) ، ثم قابله بحديث لعمر بن الخطاب أيضاً : «كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله شرها ، فمن عاد لمثلها فاقتلوه» (٢).

نهضت صائحاً : هذا اعتراف صارخ ، ولا حجة لأهل السنة والجماعة أن يقولوا كان الأمر شورىٰ ، بل زيف واختلاق.

_____________

(١) صحيح البخاري : ٤ / ٢٨٩ (٦٨٣٠).

(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٠٩ ، تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ، وطبقات ابن سعد : ٢ / ٢٢٩.

٢٣٩

ثم خرجت من عند «أبو عبدو» ، واستأجرت سيار ، وقلت للسائق : باتجاه السيدة زينب عليها‌السلام .

وصلت إلى مقام السيدة ، ودخلت إلىٰ صحن المقام ، ووقفت وقبلت الأرض والباب الخشبي الكبير طالباً الاذن من مولاتي للدخول ، وأخذت أتمثل بقول الشافعي :

يا أهل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنكم

من لم يصلّ عليكم لا صلاة له

واستدركت قائلاً :

إن كان رفضاً حب آل محمد

فليشهد الثقلان أني رافضي

أشهد أن علياً أمير المؤمنين ولي الله وحجته ، وأن أولاده هم الأوصياء والأتقياء ، وأشهد أني أواليهم وأتبرّأ من أعدائهم ، وأنصر من نصرهم ، وأخذل من خذلهم ، وألعن من ظلم حقهم واستباح حرمتهم إلىٰ يوم الدين.

وذرفت دموع الندم على مافاتني ، ورجوت الله أن يغفر لي تقصيري وقلّة درايتي ، وعدتُ إلى المنزل وكأن شيئاً ثقيلاً قد انزاح عن صدري.

٢٤٠