🚖

ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
ISBN: 964-8629-12-9
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

مواصلة البحث بجدّية :

عندما عدت إلى المنزل وبعد أن عاتبني والدي كثيراً ، دخلت غرفتي وفتحت كتاب «القطوف الدانية» للسيد عبد المحسن السراوي وقرأت مقدمة المؤلّف ، ولفت نظري أنّ التساؤلات التي تبادرت إلى ذهني وأنا في المقام أجد لها إجابة في هذا الكتاب ، وشدّني استدلال المؤلّف على بحثه من مصادر السنة ، وفوجئت بأنّ هناك عدّة مذاهب غير المذاهب الأربعة التي كنت أعرفها لأهل السنة والجماعة ، وهذا المؤلّف يذكر رؤساءها : كالأوزاعي ، وإسحاق ، وداود ، وعطاء ، والزهري ، وابن المبارك ، والليث بن سعد ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وغيرهم.

هذه الأسماء لم أسمع بها من قبل سوى إشارات كانت في كتاب «الملل والنحل» ، ورأيت المؤلّف يحاول جاهداً للتقريب بين وجهات النظر بين الطائفتين ، ويوضح للقارىء أنّ المسائل التي يطرحها هي من صميم السنة المطهرة ، فقرأت أكثر من نصف الكتاب ، وخرجت طالباً لقاء «أبو عبدو» ، وأخذت كتاب المراجعات كي أعيده إليه بعد أن قرأت أغلبه ، وبدأت أفكر

٨١

بالأحاديث التي مرت معي وأنني حصلت على كتاب لمؤلّف سوري ، وعندما وصلت ، فتح الباب «أبو عبدو» واستقبلني ودخلنا إلىٰ غرفة الاستقبال وبدأنا بالنقاش معه حول بعض المواضيع ، ثم سألني إذا كان لدي رغبة بالتعرف على بعض الأخوة من الشيعة ، فرحبت بذلك ، وقال لي : غداً صباحاً تأتي هنا ثم نذهب سوية ، طلبت الاذن بالانصراف وخرجت ، وأذكر يومها كان ثاني أيام عيد الأضحى المبارك.

عدت إلىٰ منزلي وأنا مسرور بالأمور الجديدة التي تعرّفت عليها ، ولما جنّ عليّ الليل غرقت بمراجعة كتاب القطوف الدانية ، ثم بدأت بقراءة كتاب أضواء على السنة المحمدية ، ووصلت إلىٰ قسم «وضّاع الحديث والمدلسين» ، ثم «واضعوا الأحاديث الإسرائيلية وأسمائهم» ، فاستغربت من صدور هذه الأفعال من أناس كنت أثق بكلامهم ثقة كاملة ، بحيث كنّا عند ذكر أسمائهم نمسح بوجهنا للتبرك ، ولم أسأل يوماً لماذا عندما يأتي ذكر هؤلاء نمسح بأيدنا على وجوهنا ، يبدو أن هذه الحالة وليدة تقليد أعمىٰ ورثناها من أسلافنا.

جاء الصباح وبعد إنهائي لفريضة الصلاة توجهت إلى منزل الأخ «أبو عبدو» ووجدته بانتظاري خارج المنزل ، ثم ركبنا إحدى السيارات الناقلة وتوجهنا مباشرة إلى السيدة زينب عليها‌السلام ، وفي

٨٢

الطريق قلت له : البارحة نسيت أن أقول لك أنني حصلت على كتاب لمؤلّف سوري واسمه عبد المحسن السراوي ، فابتسم الأخ «أبو عبدو» ، ولم أفهم سبب ابتسامته.

ثم قلت له : لم تقل عند من سنذهب اليوم ؟

قال : نذهب إلى بعض الأخوة الشيعة ، سوف تتعرف عليهم هناك.

ووصلنا المكان المقصود ودخلنا في طريق طويل يتوسطه سوق لبيع الخضار ومحلات كثيرة ، إلىٰ أن أخذنا طريقاً جانباً إلى اليمين ، ثم توقفنا وقرع الأخ «أبو عبدو» الباب فخرج إلينا بعد ثوان شاب صغير.

أبو عبدو : السلام عليكم ، كلّ عام وأنتم بخير ، هل السيّد موجود ؟

الشاب الصغير : وعليكم السلام ، وأنتم بخير ، نعم لحظة من فضلك.

ثم ذهب برهة ، وإذا بصوت أتى من الأعلىٰ تفضّلوا ، نظرت وإذا برجل متوسط بالعمر واضعاً كوفية مزركشة حمراء على رأسه ، فلما وقع بصرنا عليه ابتسم ، ورحّب بنا ، فدخلنا إلى المنزل وصعدنا الدرج واستقبلنا السيّد ، فصافحته وأحسست بعاطفة قوية نحوه كأنه قريب لي أو كأنني أعرفه فصافحته بحرارة ، ثم دعانا للدخول إلىٰ غرفة جانبية معدّة للاستقبال ، ولفت انتباهي كثرة الكتب الموجودة لديه ، فقلت ماشاء الله (اللهم صل على محمد) ، ثم جلسنا وأنا

٨٣

مندهش لكثرة الكتب ، وبدأ الأخ أبو عبدو يعرّف بعضنا على بعض.

الأخ أبو عبدو : حضرة السيّد أعرفك الأخ باسل الخضراء من الأخوة الفلسطينيين ويحمل جذوراً مغربية ، ويتصل بالنسب إلى السيد إدريس بن الحسن.

السيّد : أهلاً وسهلاً ، صبحكم الله بالخير ، كيف حالكم ؟

الأخ أبو عبدو : أخ باسل أعرفك سماحة السيد عبد المحسن السراوي من أبناء الحسكة.

قلت مندهشاً : الله أكبر فعلتها بي يا أبو عبدو !!

ابتسم أبو عبدو قائلاً : أردت أن تكون مفاجئة لك.

قال السيد : هل هناك شيء ما.

قلت : لقد ذكرت له أنني اشتريت كتاباً لأحد المؤلّفين السوريين وذكرت له اسمك ، وقال : سمعت عنه ، وأحسسني بأنه لا يعرفك !

السيّد أبو حيدر : هو دائماً يحب المفاجآت.

الأخ أبوعبدو : الأخ باسل أبو محمد يريد أن يقدّم لكم بعض الأسئلة ، وهو من الشباب المثقف ويبحث عن السنة الصحيحة ، وبحاجة لمن يعينه في هذا المجال.

السيّد : نعم على الرحب والسعة تفضلوا.

قلت : مولاي أنتم تقولون أن مسح الأرجل في الوضوء هو

٨٤

الأقوىٰ عند الشيعة حسب آيه الوضوء (١).

السيّد : عفواً نحن لسنا فقط الذين نقول بهذا الأمر ، بل هناك مفسرون من أهل السنة قالوا هذا ، مثل ابن كثير وحمزة وأبو عمر وعاصم ، قد قالوا بالجر ، ومنهم من قال بالنصب.

فأقول : إنّ القراءة بالجر تبين أنّ الأرجل معطوفة على الرؤوس ، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الرجل ، وبقراءة النصب توجب المسح أيضاً ، وذلك لأن قوله تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) فرؤوسكم في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء ، فإذا عطفنا الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب على محل الرؤوس ، والجر معطوف على الظاهر ، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله تعالى : (وَأَرْجُلَكُمْ) هو قوله تعالى : (وَامْسَحُوا) فيثبت أن قراءة : (وَأَرْجُلَكُمْ) بنصب اللام توجب المسح.

ونحن نأخذ بأفعال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونعتبرها من السنة ، وإليك هذه الرواية : عن عبادة بن تميم ، عن أبيه قال : «رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوضأ ويمسح على رجليه» (٢).

ثم بدأ السيّد يذكر لي أحاديثه مسندة ويحيلني إلىٰ مظانها من

_____________

(١) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) المائدة : ٦.

(٢) مجمع الزوائد للهيثمي : ١ / ٢٢٤.

٨٥

مصادر أهل السنة حتى أوثق الأحاديث.

صلاتكم غير صلاتنا :

قلت : سيدي عندما زرت السيدة عليها‌السلام منذ مدّة وجدت أنّ صلاتكم غير صلاتنا ، فأنتم تصلّون على التربة وهذا ما أثار حفيظتي بعض الشيء ، كما أنكم حسب معلوماتي تصلّون فرضين سوية ، أرجو أن توضحوا لي سبب ذلك ، جزاكم الله خيراً.

السيّد : كيف تصلّي أنت يا أخي ؟

قلت : أصلّي على السجادة ، وهذا معروف في البيت أو في المسجد.

السيّد : وصلاتك للسجادة أم لله سبحانه ؟

قلت : إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين.

السيد : نحن أيضاً صلاتنا لله عزّ وجلّ ، وسجودنا يكون على التراب اقتداءاً برسول الله والصحابة الكرام.

قلت : أنت تقول إنكم تقتدون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابه وكيف ذلك ؟

السيّد : لقد أجمع المسلمون على جواز السجود على الأرض ، وما أنبتت من غير المأكول والملبوس كالحصير وورق الشجر والقرطاس ، والمتأخرون من أهل السنة أجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف ، ومذهب أهل البيت عليهم‌السلام لا يجوّز السجود

٨٦

إلّا على الأرض وما أنبتته مما لا يؤكل ولا يلبس من قطن وكتان ، والروايات التي تقول على الأرض كثيرة ، فمنها :

حديث خباب بن الأرت قال : «شكونا إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شدة الرمضاء في جباهنا وأنفنا فلم يشكنا»(١).

وحديث ابن عباس رضي‌الله‌عنه : «أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سجد على الحجر » (٢).

وحديث أنس بن مالك «كنا نصلّي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في شدة الحر ، فيأخذ أحدنا الحصباء في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه» (٣).

وإذا أردت الوضوح أكثر ارجع إلىٰ‌ٰ كتابنا (القطوف الدانية) (٤) أو إلىٰ الصحاح الستة فسترى أحاديث أكثر تتناول هذا الموضوع.

قلت : شكراً لك لقد أوضحت لي هذه المسألة ، ولكن موضوع الجمع ألا ترىٰ أنّ العلماء أجمعوا فقط على الجمع بعرفة وقت الظهر والعصر ، كما أنهم أجازوا الجمع في المزدلفة وقت العشاء بين فرضي المغرب والعشاء ؟

ثم التفت السيد إلى «أبو عبدو» قائلاً : يمكنك المشاركة إذا

_____________

(١) البيهقي في سننه : ٢ / ١٥١ (٢٦٥٧) ، وسنده جيد وصحيح.

(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك : ٢ / ٣٤ (١٧٧٥) ، وقال : صحيح.

(٣) مسند أبي يعلي : ٧ / ١٧٨ (٤١٥٦).

(٤) القطوف الدانية : المسألة الخامسة ، السجود على الأرض.

٨٧

أردت ، فنحن لا نمانع لدينا إذا أحببت أن تبيّن رأيك.

الأخ أبو عبدو : أعلمك أخي «أبو محمد» أن من أهل السنة أو بالأحرى علماء بعض المذاهب السنية جوّزوا الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً بعذر السفر ، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، أما أبو حنيفة فمنع ذلك وقال : لا يجوز الجمع بين الصلاتين مطلقاً ، والإمام أحمد يوافق مالك في جواز الجمع بين الصلاتين أو العشاءين فقط لعذر المطر ، لا بين الظهر والعصر.

السيّد : لكن لا تنسوا أنّ جماعة ذهبوا إلىٰ جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة ، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك والخطابي والقفال هؤلاء من علماء أهل السنة (١).

قلت : لكن ماهو رأي مذهب أهل البيت عليهم‌السلام بذلك ؟

السيّد : يستدل أئمه أهل البيت عليهم‌السلام بآيات كريمة وأحاديث نبوية على جواز الجمع من غير عذر ولا خوف ، منها هذه الآيه الكريمة : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (٢) ، وقد ذكر المفسر الفخر الرازي : الغسق هو ظهور الظلمة ، وعبارة عن أول المغرب ، فعلىٰ هذا يكون ثلاثة

_____________

(١) شرح مسلم للنووي : ٥ / ٢١٩ ، باب جواز الجميع بين الصلاتين في السفر.

(٢) الاسراء : ٧٨.

٨٨

أوقات : وقت الزوال ، ووقت المغرب ، ووقت الفجر ، فوقت الزوال يشترك فيه الظهر والعصر يعني تشترك فيه الصلاتان ، وأول المغرب يعدّ وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين والفجر وقت واحد لوحده (١).

أما بالنسبة للحديث فقد أخرج مسلم في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ، عن ابن عباس رضي‌الله‌عنه قال : «صلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر» (٢) ، كما قال ابن عباس : «صلّيت مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمانياً جميعاً ، وسبعاً جميعاً» (٣) ، كما قال : «إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً ، الظهر والعصر والمغرب والعشاء» (٤).

وفي حديث لوكيع قال : قلت لابن عباس : لماذا فعل ذلك ؟ قال : كيلا يحرج أمته» (٥).

وعلى كلّ إذا أردت التوسع فأنصحك بالرجوع إلىٰ شرح الموطأ

_____________

(١) التفسير الكبير للفخر الرازي (سورة الاسراء آية ٧٨) : المسألة الرابعة.

(٢) صحيح مسلم : ١ / ٤١٠ (٧٠٥).

(٣) صحيح مسلم : ١ / ٤١٢ (٧٠٥).

(٤) صحيح مسلم : ١ / ٤١٢ (٧٠٥).

(٥) صحيح مسلم : ١ / ٤١١ (٧٠٥).

٨٩

للزرقاني (١) وسنن أبي داود (٢).

قلت : شكراً لك ياسيدي ، لقد بينت لي حجة بالغة ودليلاً قاطعاً لا يقبل الشك ، ومع هذا سوف أقوم بمراجعة المصادر التي ذكرتها ، فجزاك الله كلّ خير ، كما أرجو أن لا أكون قد أتعبتك بكثرة الأسئلة.

السيّد : لا بأس ، وأنا مستعد تماماً لأن نبحث معاً هذه الأمور الدينية ، ونحن نتمثل بقول سيدنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام عليّ في وصيته له : «ياعليّ لئن يهدي الله بك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس» ، ولكن لي تعقيب صغير لك وتوضيح.

قلت : تفضل مولاي ، فكلّي آذان صاغية ، أستفيد من آرائكم.

السيد : لقد ذكرت عند دخولك إلى الغرفة الصلاة على سيدنا ناقصة وبتراء ، فأرجو أن تقبل النصيحة.

قلت : إنّ هذا ماتعلمناه ، وإذا كان هناك أمراً بحاجة إلى توضيح فلا بأس مشكورين.

السيّد : عندما نزلت آية : (إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (٣) قالوا لرسول

_____________

(١) شرح الزرقاني على موطأ مالك : ١ / ٤١٨.

(٢) سنن أبي داود ، باب الجمع بين الصلاتين : ١ / ٤٤٨.

(٣) الأحزاب : ٥٦.

٩٠

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما الصلاة فقد عرفناها ولكن ماهو التسليم ؟ قال : أن تقولوا : اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، ولا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، فسألنا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما هي البتراء ؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم صل على محمد وتقفوا ، يجب أن تقولوها كاملة : اللهم صل على محمد وآل محمد ، وهذا الحديث موجود في الصحاح وفي كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني (١).

قلت : شكراً لك سيدي على الايضاح.

ثمّ قلت لأبي عبدو : أرى أن لا نأخذ وقت السيد أكثر من هذا.

فقبل أبو عبدو ، وطلبنا الإذن بالانصراف ، فأعطاني السيد الكريم رقم هاتفه ، ثم خرجنا بعد توديعه ، ثم شكرت الأخ أبو عبدو على مفاجئته السارة ، وبيّنت له أنني استفدت جداً من هذه الزيارة ، وأظن أنها ستتكرر لاحقاً.

فقال لي الأخ أبو عبدو : إن هذا السيد عالم ، وستستفيد منه كثيراً إن شاء الله تعالى ، وأرجو أن تدعو لي دائماً.

وصلنا إلى البلدة ، وكلّ منّا ذهب إلى منزله واتفقنا على تبادل

_____________

(١) صحيح البخاري ، باب أن الله وملائكته يصلّون على النبي : ٤ / ١٨٠٣ (٤٥١٩) ، صحيح مسلم ، باب الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ١ / ٢٥٥ (٤٠٥ ـ ٤٠٦) ، الصواعق المحرقة لابن حجر : ٢ / ٤٢٩ في الآيات الوارده فيهم.

٩١

الزيارات ، ثم أخذت أفكر في أمر أمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك لهم نصوصاً كثيرة ليتعبدوا بها ، ولكنهم اختلفوا من بعده.

أنهيت بعض أعمالي المهنية ، ثم أخذت بقراءة بعض المصادر التي استعرتها من أحد الأصدقاء ، وتذكرت بعض الأحاديث الأخرىٰ ، وارتأيت أن أقوم بزيارة الدكتور البوطي في حلقة درسه ، ولكن لا أعلم مكانها ، فطلبت من أحد أبناء جيراننا أن يدلّني علىٰ مكان درس الدكتور بما أنه يحضر درسه أكثر الأحيان.

٩٢

زيارة الدكتور البوطي :

توجهت في أحد أيام الاثنين من الشهر نفسه إلىٰ جامع «الايمان» حيث يلقي الدكتور البوطي درسه هناك بعد صلاة المغرب ، ودخلت إلى الجامع ورأيت الناس مكتظة وجلست ، لكن لم أشاهد الدكتور ، وفجأة حضر الدكتور وبدأ الشبان بالتراكض لمسك يده وتقبيلها والسلام عليه ، وأنا جالس أتأمل المنظر ، ثم جلس الدكتور خلف المنضدة التي وضعت لأجله ، وبدأ بالحديث ، وعنون محاضرته : «هل الإنسان مخير أم مسير ؟».

طبعاً أنا بدأت أرسم هيكل الأسئلة في مخيلتي وكيف سأطرحها عليه ، واستغرقت بترتيب الأفكار ونظراتي لم تغب عن الحاضرين والدكتور ، حتى أن جاء أحد الأخوة بجانبي وطلب مني استعارة القلم الذي بحوزتي ، فقلت له : تفضل ، وتبعته بنظراتي لأرىٰ ماسيفعل به ، وإذا به يكتب على قطعة ورقة شيئاً ويسلمها إلىٰ الشخص الذي أمامه ، وبالتالي وصلت إلىٰ أحد الجالسين أمام الدكتور فوضعها على المنضدة ، فأخذت القلم من الشاب وطلبت منه بالمقابل قطعة ورق لنفس الغرض ، فأعطاني ورقة ، فشكرته ، وكتبت عليها

٩٣

السؤالين التاليين :

السؤال الأول : فضيلة الدكتور ، لماذا في محاضراتكم لا تذكرون أو تخصصون حلقات لدراسة التاريخ الإسلامي ؟ وإذا تحدثتم عن التاريخ تمرون مرور الكرام ولا تذكرون القضايا الهامة ، بل حتى في كتبكم لا تكتبون شيئاً عنه ، فالناس بحاجة إلى معرفة تاريخها والتعرّف على ما جرى فيه من خطوب وأمور.

السؤال الثاني : هل ممكن أن تحدّد لنا من هي الفرقة الناجية حسب قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدليل قاطع ، وشكراً.

وطويت الورقة وسلّمتها للذي مقابل المنضدة وانتظرت الرد ، فلحظة وصول الورقة إلى الدكتور كان قد أنهى محاضرته وأراد استلام الأوراق للردّ عليها ، فأخذ الورقة التي كتبتها من الشاب الجالس أمامه ظناً منه أنه صاحب الورقة ، وفتحها وقرأها في نفسه ..

ثم قال الدكتور : أرىٰ أنّ أحد الأخوة طرح سؤالاً خارج نطاق المحاضرة ، ويجب أن لا نرّد عليه ، التزاماً بمنهجية الدرس والمحافظة على المعلومات التي طرحناها ، حتى لا تتشابك الأفكار.

ثم قال : طيب لا بأس ، بما أنّ أوّل ورقة نستلمها حتى نكون بمحضر حسن الظن.

فجهر بالسؤال الأول قائلاً : بالنسبة للتاريخ فهو واسع وسوف

٩٤

يأخذ وقتاً طويلاً في سرده ، وهناك أفاضل متخصصون بذلك ومع وجود عدد لا بأس به من الموسوعات التاريخية ، أما الأمور الأخرىٰ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ) (١) ، والخوض في الأمم السابقة لا يجدي نفعاً ولا ضرورة.

أما السؤال الثاني : فنحن لا نحدد الفرقة من هي ، ولكن نقول : إنّ من حافظ على بيضة الاسلام ولم يوقظ الفتنة فهو من الفرقة الناجية ، وبالتالي هي قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أنا عليه وأصحابي ونرجو عدم الخوض أكثر من هذا في مثل هذه الأمور.

ثم أكمل قراءته وإجاباته للأسئلة ولم تطل كثيراً ، وخرج الناس مودعين له بمثل ما أستقبل.

ولكنني لم أجد فيما قال ما يقنعني ، وأحسست أنه تهرّب من الجواب.

_____________

(١) البقرة : ١٣٤ و ١٤١.

٩٥

٩٦

في المكتبة الظاهرية :

حاولت جاهداً على توفير بعض المال لشراء بعض المصادر ، ولكن منعني أمران وحالا دون شرائي للكتب ، هو عدم وجود عمل ثابت وارتفاع أسعار الكتب ، وكأن لسان حالها يقول : لا يمكن القراءة لذوي الدخل المحدود.

خطرت في بالي فكرة الذهاب إلىٰ مكتبة عامة ، ولكن أين ؟ سألت ابن عمي حول هذا الأمر ، فأعلمني أن هناك مكتبة عامة نفيسة يوجد بها العديد من الكتب والمخطوطات النادرة ، وهي قديمة جداً وتوجد بها صالات للمطالعة وتقع قريبة من الجامع الأموي.

رتبت بعض أسماء المصادر وذهبت إليها ، وسجلت أسمي في كشف المراجعين ودخلت إلىٰ مسؤول المكتبة وأعلمته بطلبي : المستدرك للحاكم وسنن البيهقي.

ثم طلبت بعض أوارق بيض لتسجيل الملاحظات ، وجلست في أحد أركان المكتبة وبدأت باستخراج أرقام الأحاديث التي ذكرها السيد لي ، ووجدت حديثاً إضافياً في كتاب الحاكم ، هو عن جابر بن عبدالله الأنصاري : «قال : كنت أصلّي الظهر مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فآخذ

٩٧

بيدي قبضة من الحصىٰ ليبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها من شدة الحرّ» (١).

كما رأيت في كتاب الحاكم رواية عن السيدة أم سلمة (رض) قالت : «والذي أحلف به إن كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» (٢).

علّق الحاكم على هذا الحديث قائلاً : إنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه (البخاري ومسلم).

«وقيل لابن عباس... أرأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفي ورأسه في حجر أحد ؟ قال : توفي وهو لمستند إلىٰ صدر عليّ ، فقلت : فإن عروة حدثني عن عائشة (رض) أنها قالت : توفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين سحري ونحري ! فقال ابن عباس : أتعقل ؟ والله لتوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنه لمستند إلىٰ صدر علي وهو الذي غسله...» (٣).

قلت في نفسي : فكيف إذن العلماء يتحفوننا بأحاديثهم وأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفي على نحر وسحر السيدة عائشة ، وأنه أوصىٰ لأبيها ؛ وآخرون ينقلون نفس الحديث ولكن لم يوص النبي لأبي بكر ! ماهذا التناقض ؟ لماذا تتضارب الأقوال ، مع أن الحاكم يقول

_____________

(١) مستدرك الحاكم : ١ / ٣٠١ (٧٢١) باختلاف يسير ، مسند أحمد : ٣ / ٣٢٧.

(٢) مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٤٩ (٤٧٢٩) ، مسند أحمد : ٣ / ١٣٨.

(٣) الطبقات الكبرىٰ لابن سعد : ٢ / ٢٠٢.

٩٨

هذا الحديث صحيح الإسناد ولكن لم يخرجه الشيخان ؟

سجلت هذه الأحاديث ، وأخذت بعض الأحاديث من سنن البيهقي ، وحديث ابن عمر قال : «مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة ، فجعل الرجل يأتي بالحصىٰ في ثوبه فيبسطه تحته ، فلما قضىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلاة قال : ما أحسن هذا» (١).

انتهيت من نقل هذه الأحاديث ونهضت لتسليم الكتب إلىٰ مسؤول المكتبة ، فوجدت شاباً يعيد إليه كتاباً يبدو قديماً بعض الشيء ، ونظرت إلى الشاب طويل القامة أسمر البشرة لحيته سوداء يشوبها بعض الشيب ، وانطباعي الأول عنه أنه في الثلاثين من العمر ، قلت له : ممكن أعرف عنوان الكتاب ؟ قال لي : إنه ينابيع المودة للقندوزي الحنفي.

قلت : هل يتحدث هذا الكتاب عن المذهب الحنفي ؟

الشاب : (مبتسماً) : لا ، إنه يتحدث في أمر أهم من المذهب الحنفي.

قلت : عفواً ، أراك تبتسم من قولي ، فهل هناك مايريب ؟

الشاب : لا أبداً أنا آسف ، ليس بالضرورة أن يكون اسمه حنفياً

_____________

(١) سنن أبي داود : ١ / ١٨٧ (٤٥٨) ، سنن البيهقي : ٢ / ٦١٨ (٤٢١٣) باختلاف يسير.

٩٩

يتبع المذهب الحنفي ، ثم هذا الكتاب يتحدث عن بعض فضائل أهل البيت عليهم‌السلام .

برقت عيناي عندما سمعت كلمة أهل البيت عليهم‌السلام .

فقلت له : معنى ذلك أنه شيعي «أي المؤلّف».

الشاب : لا ، فهو سني قد أخرج الأحاديث الخاصة المروية في فضائل الأئمة عليهم‌السلام.

قلت : أتسمح لي أن أقوم بمطالعته.

الشاب : بعد إعادته إلىٰ مسؤول المكتبة يمكنك طلب استعارته ، ثم استأذن مني لينصرف.

قلت : لحظة من فضلك ، هل تأتي إلىٰ هنا دائماً ، وممكن نتعرف على بعض إذا سمحت ؟

الشاب : كنت أبحث عن بعض الأحاديث للتوثيق ، وأنا أحضر إلىٰ هنا كل يوم خميس تقريباً ، واسمي عادل ، ومسؤول المكتبة يعرفني ، تربطنا قرابة فيما بيننا.

فعرّفت نفسي له ، وقلت له : هل أنت شيعي ، فنظر إليّ وابتسم ، ثم انصرف بعد توديعي.

غريب هذا الشاب ، لديه بعض الغموض ، لم يفصح عن نفسه كثيراً ، لعل يوماً من الأيام أراه مرة أخرىٰ.

عدت وطلبت من المسؤول كتاب «ينابيع المودة».

١٠٠