🚖

ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
ISBN: 964-8629-12-9
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وجدت أبا عبدو أمام بناء المنزل واقفاً ينتظر ، فقال لي : لقد أقلقتني على كيفية الصورة التي خرجت بها من عندي ، فأنهيت بعض الأعمال وجئت لأراك فلم أجدك ، وانتظرت هنا حتى حضرت ، ماذا جرىٰ ؟ أين ذهبت ؟

فقلت له ماجرىٰ معي وذهابي إلىٰ مقام السيدة عليها‌السلام.

قالى لي : وكيف بهذه السرعة ؟!

فقلت له : بحديثك اليوم بيّنت لي كم كنا مغرورين ومفتونين بهؤلاء القوم ، كيف كنا نتبع أناساً ضلّوا وأضلوا الأمة ؟! كيف أتبع رجلاً لا علم لديه بدليل قوله : «لولا علي لهلك عمر» (١) ، ولو كان فقيهاً لاستغنى بفقهه عن الآخرين ، فالفقيه العالم لا تعلّمه امرأة ، كما أن أبابكر يقول : «وليت عليكم ولست بخيركم» (٢) ، فهو يعترف بأنه هناك من هو أفضل منه ، فكيف اغتصب الخلافة ؟! وعثمان يقول : لا أنزع قميصاً قمصني إياه الله (٣) ، فهل الخلافة أصبحت قمصان لديهم وسراويل ؟ ما هذا الاستهتار بالدين وبالأمة جمعاء ، وحتى أن

_____________

(١) الاستيعاب لابن عبد البر : ٣ / ١١٠٣ ، مناقب الخوارزمي : ٨١ ، ينابيع المودة للقندوزي : ١ / ٢١٦.

(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٨٦ ، تاريخ الطبري : ٣ / ٢٢٤ ، كنز العمال : ٣ / ٥٩٩ (١٤٠٦٢).

(٣) تاريخ الطبري : ٤ / ٣٧٢.

٢٤١

معاوية يقول : تظنون أني أقاتلكم من أجل الصلاة والصوم والحج ، لا أنا أقاتلكم لأتأمر عليكم فأين الشريعة المحمدية ؟! لقد وجدتها عند أناس أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، والحمد لله الذي هدانا ، ولولا الله لما اهتدينا.

٢٤٢

سألني صديقي عن المتعة :

مضىٰ وقت طويل وأنا أعمل بمهنتي نهاراً وأراجع بعض المصادر والكتب ليلاً ، وذات يومٍ جاءني صديق قديم يُدعى منير سالم كنت أدرس أنا وإياه في المدرسة ، وكنت أزوره في بعض الأوقات.

وعندما أراد أن يلتقي بي أشكل عليه مكان منزلي ، فسأل أحد أصحاب المحلات القريبة من بيتنا ؟ فقال له صاحب المحل : هذا الذي خرج من السنة والجماعة ، كيف تريد رؤيته ؟ إنّ أحداً من سكان الحي لا يعتبره موجوداً بيننا !

فقال له صديقي : ماقصدك أنّه خرج من السنة والجماعة ؟

فأجابه صاحب المحل : هذا الشاب إلتجأ إلى الشيعة وأصبح منهم ، وإذا ذهبت إليه الآن قد تجده يتعامل معهم في المتعة وغيرها مما يقولون أنهم على الطريقة الصحيحة ، ثم أشار له على منزلي.

أخبرني بكل ما جرىٰ بينه وبين صاحب المحل..

ثم بادرني بالسؤال : هل صحيح أنك خرجت من السنة والجماعة كما قال لي الرجل ؟!

قلت : نعم ، هذا إذا كان هناك سنّة أو جماعة عندهم ، لأنني

٢٤٣

وجدت أنّ أهل السنة كما يدعون لا يطبقونها ، والجماعة ماهي إلّا دعوة لتفريق الأمة ، وماوجدته هو السنة الصحيحة كما نصّ عليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (أدعوكم للتمسك بكتاب الله وعترتي أهل بيتي) (١) ، وهما حجة الله على البشر ، وذكرت له بعض الأحاديث التي تدلّ على وجوب التمسك بأهل البيت عليهم‌السلام والصحابة المخلصين.

منير : يبدو أنك اجتمعت مع أحد من هؤلاء الشيعة ؟

قلت : إنّ الروايات السنية أكدت على صحة مذهب الشيعة ونهجهم ، فاتبعتهم.

منير : أريد أن أسألك عن المتعة ماهي ؟ ولماذا تعملون بها مع تحريمها كما قيل لي ؟

قلت : قبل كلّ شيء سأبين لك معنى المتعة في اللغة ، ثم نرد الأحاديث التي تدلّ على عدم تحريمها ، ومن فعلها ومن حرّمها.

معنى المتعة :

إذا فتحت أي معجم لغوي أو كتاب يبين لك معاني الكلمات في اللغة العربية ، فمثلاً كتاب «مختار الصحاح» لابن أبي بكر الرازي باب الميم تجد كلمة (متع) هي المنفعة ، وماتمتعت به قد متع به ، أي

_____________

(١) وهو حديث الثقلين ، وقد تم ذكر مصادره سابقاً.

٢٤٤

انتفع من باب قطع ، قال الله تعالىٰ : (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) (١) ، وتمتع بكذا واستمتع به ، والمتعة : هي الاسم ، فمتعة الحج أو متعة النساء هي انتفاع ، وأمتعه الله بكذا ، متعه تمتيعاً (٢).

وجاء المعنى في لفظ آخر هو العطاء ، كما في قوله : (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ) (٣).

معناها في القرآن :

لقد جاء ذكر المتعة والمتاع في القرآن الكريم ولزمه بأجل وحين ، وأذكر بعض آيات وردت فيها كلمة المتعة لتستبين أكثر.

قال تعالى : (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا) (٤).

وقال : (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (٥).

وقال : (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ) (٦).

وقال : (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) (٧).

_____________

(١) الرعد : ١٧.

(٢) مختار الصحاح لعبد القادر : كلمة متع ، وفي لسان العرب لابن منظور نفس المعنى والكلام فراجع.

(٣) البقرة : ٢٣٦.

(٤) البقرة : ١٢٦.

(٥) لقمان : ٢٤.

(٦) المرسلات : ٤٦.

(٧) الأعراف : ٢٤.

٢٤٥

فقيدت هذه الآيات المتعة والمتاع لأجل وحين ، ونستخلص أن كلمة المتعة أو التمتع هي التلذّذ بمنفعة لفترة معينة ، وهو معنىٰ لزواج المتعة.

المعنى الفقهي وثبوته :

وعرف الفقهاء المتعة بأنها : زواج عقد بامرأة زواج مؤقت بمهر معلوم ولمدة معينة معلومة لدى الطرفين ، وهو زواج مباح في التشريع الإسلامي ، وسألقي الضوء على الآية وثبوتها : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (١).

لقد فسّر بعض المسلمين أنّ المراد من هذه الآية هو الانتفاع بالزوجة الدائمة ، وهذا التفسير غريب وبعيد عن المطلوب ، فقد أثبتها كبار القراء مثل ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والسدي بقول إضافي ، هو تفسير معقول ، وهو «إلىٰ أجل مسمىٰ فآتوهن أجورهن».

وبهذا القول لا يبقىٰ أي شك أو تردّد من حمل الآية على زواج المتعة ، لأنه هو الزواج الوحيد الذي يشترط فيه ذكر مدّة أو أجل ، وقد أثبت المفسرون عند السنة أمثال الزمحشري في كشافه ينقل عن ابن عباس : إنّ آية المتعة من المحكمات.

_____________

(١) النساء : ٢٤.

٢٤٦

وقد ذكر شيخ الطائفة الإمامية الطوسي رحمه‌الله «نكاح المتعة لدينا صحيح مباح في الشريعة ، وصورته أن يعقد عليها مدّة معلومة بمهر معلوم ، وإذا كانت المدة مجهولة لم يصح ، وإن لم يذكر المهر لم يصح العقد ، وبهذين العقدين أو الشرطين يتميز الزواج المؤقت عن الزواج الدائم» (١).

وقد أجمع أن الآية المذكورة في المتعة عدد من كبار المفسرين ، مثل ابن كثير والطبري والقرطبي والسيوطي ، وجاء عن ابن كثير في تفسيره : إنّ هذه الآية الدالة عى نكاح المتعه كان مشروعاً في بداية الإسلام (٢).

التحريم والاباحة :

منير : لكن هناك من قال لي إنّها حرّمت ، فما قولك ؟ لقد حرمت زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قلت : جاء في الأحاديث أنه في صدر خلافة عمر بن الخطاب صعد عمر المنبر وقال : «ثلاثه كنّ على عهد رسول الله وأنا أحرمهن ومعاقب عليهن : متعة الحج ، ومتعة النساء ، وحيّ على خير العمل في الأذان» (٣).

_____________

(١) المبسوط ، كتاب نكاح المتعة : ٤ / ٢٤٦.

(٢) تفسير القرآن العظيم : ١ / ٤٨١.

(٣) شرح تجريد العقائد للقوشجي : ٣٧٤.

٢٤٧

منير : مقاطعاً ! إذن نحن متفقون على تحريمها حسب سردك للحديث.

قلت : لا ! فقد ثبت من الصحاح أنها كانت موجودة أيام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخلافة أبي بكر وصدر خلافة عمر.

فقد ورد في صحيح مسلم عن أبي الزبير قال : «سمعت جابر بن عبدالله يقول : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر حتى نهىٰ عنها عمر» (١).

وأخرج البيهقي في سننه قال جابر : «تمتعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع أبي بكر ، فلمّا ولي عمر خطب الناس فقال إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا الرسول وإنّ هذا القرآن هذا القرآن ، وأنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : أحدهما متعة النساء... والأخرىٰ متعه الحج» (٢).

فانظر يا أخي ، هذا التحدي والجرأة على القرآن ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وإنّ أقوال الصحابة تؤيد وجودها واباحتها زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد قال عبدالله : «كنا نغزو مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس لنا نساء ، فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب

_____________

(١) صحيح مسلم : ٢ / ٨٢٩ (١٤٠٥).

(٢) سنن البيهقي : ٧ / ٣٣٥ (١٤١٧٠).

٢٤٨

إلىٰ أجل ، ثم قرأ عبدالله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١).

والطيالسي في مسنده عن مسلم القرشي ، قال : «دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألنا عن متعه النساء ، فقالت : فعلناها زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» (٢).

وفي ميزان الاعتدال : تجد أنّ ابن جريج قد تزوج نحواً من تسعين امرأة نكاح متعة (٣) ! فأين التحريم النبوي على ذلك ؟! حتى التابعون فعلوها ولم يلتزموا بقول عمر بن الخطاب.

وهذا ابن عمر سئل عن المتعة فقال : « فعلناها زمن رسول الله ، وتقول حرمها أبي ، أنترك قول رسول الله ونتبع أبي ».

المتعة عند أهل البيت عليهم‌السلام :

إنّ أفعال وأحكام أهل البيت عليهم‌السلام دائماً ضمن ضوابط وأحكام القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«جاء عبدالله بن عمير الليثي إلىٰ الإمام أبي جعفر عليه‌السلام فقال : ماتقول في متعة النساء ؟

_____________

(١) صحيح مسلم : ٢ / ٨٢٨ (١٤٠٤) ، المائدة : ٨٧.

(٢) مسند الطيالسي : ١ / ٢٢٧ (١٦٣٧).

(٣) ميزان الاعتدال للذهبي : ٤ / ٤٠٤ (٥٢٣٢).

٢٤٩

فقال الإمام عليه‌السلام : أحلّها الله في كتابه وعلى سنة نبيه ، فهي حلال إلىٰ يوم القيامة.

فقال عبدالله : يا أبا جعفر ، مثلك يقول هذا وقد حرّمها عمر ونهى عنها ؟

فقال الإمام عليه‌السلام : وإن كان فعل.

فقال : فإني أعيذك بالله من ذلك أن تحلّ شيئاً حرّمه عمر.

فقال الإمام : فأنت على قول صاحبك ، وأنا على قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهلمّ ألاعنك أن الحق ماقال رسول الله ، وأن الباطل ماقال عمر» (١).

وعن أبي مريم عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : «المتعة نزل بها القرآن ، وجرت بها السنة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» (٢).

هنا خرج صديقي لموعد له وودعني على أمل لقاء آخر ، وتتميماً للفائدة أكمل البحث في الزواج المؤقت.

من قال باباحتها :

أذكر طائفة من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعض التابعين والعلماء ممن قال بإباحتها ، تأكيداً لقولي :

_____________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي : ٢١ / ٦ (٢٦٣٥٩).

(٢) نفس المصدر.

٢٥٠

١ ـ عبدالله بن مسعود.

٢ ـ عبدالله بن عمر.

٣ ـ يعلىٰ بن أمية.

٤ ـ عبدالله بن عباس.

٥ ـ جابر بن عبدالله.

٦ ـ صفوان بن أمية.

٧ ـ معاوية بن أبي سفيان.

٨ ـ عمرو بن حريث.

٩ ـ عمران بن حصين.

١٠ ـ الزبير بن العوام.

ومن والتابعين :

١ ـ ابن جريج.

٢ ـ عمر بن دينار.

٣ ـ سعيد بن جبير.

٤ ـ طاووس.

٥ ـ عطاء.

وقد قال أحـد السـادة الكـرام : حلّية المتـعة كانت ثابتة بإجمـاع الصحابة ، لقد قال الإمام علي عليه‌السلام : «لولا نهي عمر عن

٢٥١

المتعة لما زنى إلّا شقي» (١).

الأثر الاجتماعي من تحريمها :

لقد قال أحد الكتاب المعاصرين : إنّ الإنسان في المجتمع أياً كانت عقيدته لا يعدو أن يكون واحداً من أربعة : إما متزوج أو متمتع أو زان أو شاذ ، والزنا هو تجاوز لضوابط الشرع في علاقة الرجل بالمرأة وإن كان من الناحية الطبيعية لا يختلف عن الزواج (٢).

إن المتعة رخصة من الله ورحمة لإطفاء نار الشهوة والغريزة التي خلقها الله عزّ وجلّ ، ورخص لنا المتعة كما رخص الزواج الدائم حتى لا نحتاج إلىٰ فعل الحرام ، هناك ظواهر اجتماعية شاذة كثيرة بالمجتمع ومن ضمنها علاقات الدعارة والاباحية بين الجنسين ، لماذا فعل الحرام طالما هناك رخصه إلهية بزواج مؤقت لمدة معلومة ؟!

إنّ الذين يشنعون على المتعة فليسألوا أنفسهم ما حَلّ العلاقات السرية في الجامعات والمدارس والطرق ؟ فليتقدموا لحلّها ودراسة أسبابها.

إنّ المشكلة الجنسية في مجتمعنا الاسلامي أوّل ثغرة يدخل إليها

_____________

(١) تفسير الطبري : ٥ / ١٧ (٧١٨٥) ، وغيره.

(٢) السيد إدريس الحسيني في توضيحات وردود : ١٢٢.

٢٥٢

أعداؤنا من خلال إغراء شبابنا وشاباتنا بالصور الخلاعية والأفلام عبر القنوات الفضائية وغيرهما ، لماذا لا نعود وننظم أنفسنا ضمن ضوابط الإسلام ؟!

لماذا الفساد الأخلاقي أصبح في الشوارع ، وليس فقط بالبيوت ؟! فلينظر المشنعون ويوجدوا حلولاً إن استطاعوا !

ففي إحدى المرات كنت عائداً ليلاً من زيارة أحد الأصدقاء ، واستأجرت سيارة تاكسي ، وكان السائق في منتصف الأربعين ، وجلست بجانبه ، وفجأة توقف أمام أحد مفترقات الطرق ونادى صديق له أو قريبه ، وهو شاب أصغر منه بالسن نسبياً ، وصعد قريبه في المقعد الخلفي ، وأخذا بالتحدث حول عمل السائقين ليلاً وأنّ جهاز الخليوي قد نفع بعض السائقين كثيراً.

فقال الشاب : لو أنك ترىٰ يا أبا طلال ـ مخاطباً السائق ـ كيف أن هذه النعمة تحولت إلىٰ نقمة ملعونة.

أبو طلال : وكيف ذلك ، إنّ السائق استفاد منها والزبون أيضاً استفاد ؟

الشاب : هناك حفنة من السائقين الشاذين يقفون يومياً أمام الجامعات ، وقد كونوا مكتب دعارة متحرك وسريع بواسطة السيارة والخليوي ، يأتي الزبون الشاذ فيعرضون عليه صور لبعض البنات الشاذات ، فيرون الصورة ، وأيما فتاة تعجبهم يتم الاتصال بها وهي

٢٥٣

داخل الجامعة فتخرج مع الزبون ويذهبون سوية.

الصدق أنني عند ماسمعت هذه المحاورة تألمت ، حتى بان ذلك في وجهي ، فانتبه السائق لذلك وقال لي : مابك ؟!

قلت له : الهذا الحدّ وصلت أمورنا ؟! تعساً لهذه الحضارة الجوفاء ، هل وصل بنا الأمر لهذا المستوى ، فأين الأخلاق والعرف والدين ؟!

أقول لكم : أليس الأجدى العمل بنظام الإسلام والسنة النبوية ؟! أليس الزواج المؤقت ضابطة فاعلة لهكذا أفعال ؟! انظروا إلى الأمراض الخطيرة التي وفدت إلينا أليست من الزنا الحرام أعاذنا الله وإياكم من شرورها ؟!

كم نرىٰ من شبابنا يتعاملون مع العادة السرّية وينتهي بهم الأمر إلى المرض العصبي والوهن ، أدخلوا عيادات أطباء الأمراض الجنسية والتناسلية واستقرئوا أسباب وجود المرض هناك.

لقد قرأت في كتاب «فقه السنة» (١) أن علماء السنة بعض منهم أجاز وأباح الاستمناء طلباً لصيانة النفس إذا لم تكن هناك زوجة أو أمة ، فهل هذا حلّ يرضي الله سبحانه ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ماذا يحلّ بالمرأة التي يموت عنها زوجها وهي في ريعان شبابها ولم يتقدم لها أحد بزواج دائم ؟! هل تتجه للحرام ؟! أليس لها شعور

_____________

(١) فقه السنة لسيد سابق : ٢ / ٤٣٤.

٢٥٤

ورغبه للرجل ، أم الرجل له كلّ شيء والمرأة لا شيء ؟!

مامصير اليائسات والعوانس اللواتي لم يسعفهن حظ الزواج ، هل الحرام هو الحلّ ؟!

فليفتنا أهل الخبرة بالحلّ ، لكن لن يجيبوا وهم يعلمون الحلّ ، ولكن لا يريدون تثبيت جرم مخالفة نصّ الله سبحانه وسنة نبيه ، إنّ التحريم السياسي هذا قضىٰ علىٰ شبابنا وشاباتنا ودعاهم للفجور والفسق ، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ).

الحلّ موجود :

إنّ العمل بالزواج المؤقت حلّ اسلامي اجتماعي لا بديل عنه ، لأن ضمنية الدعوة الإسلامية هي التهذيب والإصلاح ، فاذا الصحابة ومن بعدهم التابعون قد قاموا بها بعد إباحة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها وبعد وفاته وفيما بعد ، وقد كانت المجتمعات وقتها لم يكن فيها فتن مثلما نجد ونرىٰ الآن من خروج العاريات والسافرات في شوارعنا ، فلما لا نفعلها ضمن ضوابط اسلامية وخلقية ؟

لقد جعل الله العقاب على الزاني والزانية بالجلد أو الرجم عقاباً على ما اقترفت يداهما ، ولكن بالمقابل جعل لنا لطف ورحمة ، فالله سبحانه ليس بظالم ، بل هو رحيم بعباده لا يترك الأمر من دون حجّة ولا يعاقب إلّا بحجة ، سيسألنا ألم أرخص لكم زواجاً مؤقتاً بمهر ومدّة معينتين ، فلم لجأتم إلى الحرام ؟!

٢٥٥

٢٥٦

الخاتمة :

الحمد لله ربّ العالمين.

اللهم إنا نوالي من واليت ونعادي من عاديت.

اللهم إنا تمسكنا بالثقلين اللذين أمرنا رسولك الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتمسك بهما : كتاب الله ، والعترة الطاهرة.

اللهم احشرنا مع محمد وآل محمد برحمتك يا ربّ العالمين ، وتجاوز عما مضىٰ من سيئاتنا ، وزد في حسناتنا ، وعجل لنا بفرجك الكريم صاحب العصر مظهر الدين ومجدد الأحكام وناشر العدل والبر والاحسان.

اللهم إنا نتبرأ ممن ظلم محمداً وآل محمد وغصب حقهم المشروع.

اللهم اجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

حررت في دوما

٢٠ / صفر / ١٤٢٣

خادم أهل البيت عليهم‌السلام

باسل محمد بن خضراء الحسني

٢٥٧

٢٥٨

مصادر الكتاب :

١ ـ أخبار الدول العباسية ، تحقيق عبدالعزيز الدوري ، بيروت ، دار الطليعة.

٢ ـ آراء يهدمها الإسلام ، شوقي أبو خليل.

٣ ـ إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ، أبو العباس شهاب الدين أحمد القسطلاني ٩٢٣ هـ ، دار الفكر ، بيروت ، ١٤٢١ هـ ـ ٢٠٠٠ م.

٤ ـ أسباب نزول القرآن ، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ٤٦٨ هـ ، دار الكتب العلمية ، بيروت.

٥ ـ الاستيعاب ، يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر القرطبي ٤٦٣ هـ ، دار الجيل ، بيروت ، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.

٦ ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني المعروف بابن الأثير ٦٣٠ هـ ، انتشارات اسماعيليان ، طهران.

٧ ـ إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى ، محمد الصبان (بهامش مشارق الأنوار) ، طبعة مصر.

٢٥٩

٨ ـ الإصابة ، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي ٨٥٣ هـ ، دار الجيل ، بيروت ، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ ـ ١٩٩٢ م.

٩ ـ أصول الفقه (الفصول في الأصول) ، أحمد بن علي الرازي الجصاص ٣٧٠ هـ ، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.

١٠ ـ إقبال الأعمال ، رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس ٦٦٤ هـ ، مكتب الإعلام الاسلامي ، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.

١١ ـ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، أسد حيدر ، طهران ، مكتبة الصدر ، الطبعة الرابعة ١٤١٣ هـ.

١٢ ـ تاج العروس من جواهر القاموس ، محمد مرتضى الزبيدي ١٢٠٥ هـ ، بيروت ، مكتبة الحياة.

١٣ ـ تاريخ ابن خلدون ، عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي ٨٠٨ هـ ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

١٤ ـ تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) ، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ٣١٠ هـ ، لبنان ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.

١٥ ـ تاريخ مدينة دمشق ، أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر ٥٧١ هـ ، دار الفكر ، بيروت ١٤٢١ هـ ـ ٢٠٠٠ م.

١٦ ـ تاريخ اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ٢٨٤ هـ ، دار صادر ، بيروت.

٢٦٠