ومن النّهاية كانت البداية

باسل محمّد بن خضراء

ومن النّهاية كانت البداية

المؤلف:

باسل محمّد بن خضراء


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-8629-12-9
الصفحات: ٢٦٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وبادِ قريشا بالذي قد أتيته

جهاراً وقل : ماكان أحمدُ ساحراً(١)

وقد قيل إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال عن عمه أبي طالب رضي‌الله‌عنه : إنه في ضحضاح من نار !

فرأيت البحث عن الحديث أجدىٰ حتى أتبين ، فوجدت أن راوي هذا الحديث هو المغيرة بن شعبة ، ولما تابعت مواقفه وفعاله رأيته ليس أهلاً للأخذ بأقواله ونقله ، فما هو إلّا زان (٢) وجب عليه الحد في عهد عمر بن الخطاب ، ثُم لم يحدّه وحد الشهود عليه ، ومواقف المغيرة من الإمام عليّ عليه‌السلام بينتها الحوادث والوقائع ، فهو من ألد أعدائه.

ثم لماذا لم يذكره أحد غير المغيرة ، كأبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان وباقي الصحابة ؟!.

لقد قال كثير من علماء السنة بثبوت إيمان أبي طالب ، كيف لا ! فقد كان مؤمناً بالله إيماناً فطرياً على دين سيدنا إبراهيم الخليل عليه‌السلام ، ثم آمن بدعوة ابن أخيه محمد بن عبدالله ، ولقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار بالسبابة والوسطىٰ» (٣) ، وأبو طالب

_____________

(١) كنز الفوائد للكراجكي : ١ / ١٨١ ، الغدير للأميني : ٧ / ٤٨١.

(٢) الكامل في التاريخ لابن الاثير : ٢ / ٥٤١ ، تاريخ الطبري : ٤ / ٦٩.

(٣) صحيح البخاري ، باب اللعان : ٣ / ٤٢٥ (٥٣٠٤).

١٢١

كفل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما كفله جده عبد المطلب رحمه‌الله ورعاه وهيأ له الأرضية المرنة لنشر الدعوة.

ثم لو تركنا كلّ هذه الدلائل ، ألم تكن السيدة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها زوجة لأبي طالب ؟! ألم تكن مؤمنة مسلمة رعت وكفلت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصلي عليها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاتها واضطجع في قبرها تكريماً ووضع عباءته في القبر (١) ، فبقاء فاطمة بنت أسد رضي الله عنها على عصمة أبي طالب رضي‌الله‌عنه وهي من المؤمنات السابقات إلى الإسلام أول دليل على إيمان أبي طالب عليه‌السلام ، إذ كيف يقرّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقاءها على عصمة أبي طالب وهو على الكفر وقد حرم الدين الإسلامي المشركة على المسلم والمشرك على المسلمة ، ولا يخفى عليكم أن فاطمة بنت أسد أسلمت بعد عشرة من المسلمين وبقيت مع أبي طالب وهاجرت إلى المدينة ، وهي أول امرأة بايعت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومن دلائل إيمانه هذه الأبيات التي قالها عندما علم أن قريشاً تعد أمراً ما لقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسّد بالتراب دفينا

_____________

(١) مستدرك الحاكم ، مناقب أمير المؤمنين : ٣ / ٣٢٢ (٤٦٣٢).

١٢٢

فاصدع بأمرك ماعليك غضاضة

وأبشر بذاك وقرّ منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي

ولقد صدقت (دعوت) وكنت ثم أمينا

ولقد علمت بأن دين محمد

من خير أديان البرية دينا (١)

ولقد جاء إليه وفد قريش ، وقالوا له : نعطيك عمارة بن الوليد وهو فتي قريش ، اتخذه ولداً وسلّم لنا ابن أخيك نقتله ، فإنما هو رجل كرجل.

ولكن أبا طالب احتقرهم واستهزأ بهم ، ثم قال : والله لبئس ما تسومونني ، أتعطوني ابنكم أرعاه وأغذيه وأسمنه لكم وأعطيكم ابني لتقتلوه ، هذا والله ما لا يكون أبداً (٢).

وله أبيات جميلة يصف فيها فضل بني هاشم وسيدنا محمد ، أذكر بعضها :

_____________

(١) ذكره الثعلبي في تفسيره وقال : قد اتفق على صحة نقل هذه الأبيات من أبي طالب : مقاتل ، وعبدالله بن عباس ، والقسم بن محضرة ، وعطاء بن دينار.

وراجع : السيرة الحلبية : ١ / ٤٠٨ ، البداية والنهاية لابن كثير : ٣ / ٣٨ ، فتح الباري لابن حجر العسقلاني : ٧ / ٢٤٦ (٣٨٨٥) ، وغيرهم.

(٢) تاريخ الطبري : ٢ / ٣٢٧ ، سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابن هشام : ١ / ١٧٢.

١٢٣

إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر

فعبد مناف سرّها وصميمها

فإن حصلت أشراف أنساب عبد منافها

ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوماً فإن محمداً

هو المصطفىٰ من سرّها وكريمها (١)

وأدلّ دليل على إيمانه أيضا تلك القصيدة الرائعة التي قالها لسيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما رفع سيفه بوجه قريش ورمىٰ بعض الدم والرفث على أحد وجهائهم لأنهم أرادوا الاستهزاء بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورموا عليه بعض الحجارة والدم ، وهذه القصيدة تبين الإيمان المطلق لأبي طالب عليه‌السلام أذكر بيتين فيها.

أنت النبي محمد

قرم أغر مسوّدُ

لمسودين أكارم

طابوا وطاب المولِدُ

وعندما عاودت الكرة تلك الفئة الطاغية جاء إلىٰ ابن أخيه قائلاً :

_____________

(١) السيرة الحلبية : ١ / ٤٣ ، وغيره.

١٢٤

أعوذ برب البيت من كل طاعن

علينا بسوء أو يلوح بباطل

ومن فاجر يقتابنا بمغيبه

ومن ملحق في الدين مالم نحاول

كذبتم وبيت الله يُبزي محمداً

ولما نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتى نصرع دونه

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

لعمري لقد كلفت وجداً بأحمد

وأحببته حب الحبيب المواصل

وأيده ربّ العباد بنصره

وأظهر دينا حقه غير باطل (١)

بعد كل هذا هل يصح أن يشك أحد بإيمان الرجل الصالح أبي طالب عليه‌السلام ، ومن أراد الاستزادة فليراجع السيرة الحلبية وتاريخ الطبري وابن الأثير ، ليرىٰ كم ناضل وجاهد هذا الرجل في نصرة ابن أخيه وإيمانه بدعوته.

_____________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٤ / ٧٧.

١٢٥

١٢٦

الاهتمام بالبحث :

بعد انتهائي من مراجعة بعض كتب السيرة والتاريخ وعلى رأسها كتاب «البداية والنهاية» تشكلت لدي ملامح ورؤية حول الدعوة المحمدية.

لقد تكفل الله عزّ وجلّ حفظ وصون القرآن الكريم من التحريف والضياع بقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) ، وبما أنّ القرآن الكريم حفظه الله ، وبما أن اللطف الإلهي سبحانه أدى إلى بعثته لنبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على العالمين ، فكانت مهمة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيان وترجمة هذا الكتاب السماوي وتوضيح معانيه وأحكامه للبشرية ، وذلك من خلال السنة المطهرة التي هي قول وفعل وتقرير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وبما أنّ السنة رديفة للقرآن الكريم وملازمة له ، كان لابد من أن تبقى السنة محفوظة عند الناس كاملة صحيحة ، لأنها إذا اختلت اختل وضاع معنى كلام الله ، وتأوّل المتأولون حسب اجتهاداتهم ،

_____________

(١) الحجر : ٩.

١٢٧

ولذلك حذر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : «من كذب عليّ عامداً متعمداً فليتبؤا مقعده من النار».

فالسنة ليست قضية ظن واجتهاد ، إنما هي وحيٌ من الله سبحانه لرسوله الكريم : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) (١).

ومن هنا كان لابد لي من البحث عن السنة ودراستها ، لأنني وجدت تخبطاً في كتب السير بحيث هنالك روايات تناقض بعضها الآخر ، كما وجدت أنّ بعض الروايات التاريخية تشوبها الصبغة السياسية تبعاً لهذا الخليفة أو ذاك.

تدوين السنة :

مع كثرة الصحاح والمسانيد ورجال الحديث وجدت اختلافاً في الرأي وطعناً بالرجال ، بل برؤساء المذاهب الأربعة ، كل يقدم حجية قوله ولا يقبل قول غيره ، (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (٢) ، والكل يدّعي أنه يسير وفق منهاج القرآن الكريم وهدي النبي الأعظم ، فصادف أن حصلت على كتاب اسمه «ميزان الاعتدال» للذهبي من أحد الأخوة ، وتبين لي أن الرواة ينقسمون إلى ثقة ومدلّس وكذّاب

_____________

(١) النجم : ٣ ، ٤.

(٢) الروم : ٣٢.

١٢٨

وضعيف أو ليس بمأمون ، فهالني ما وجدت من تجريح للرواة ، فكان عليّ أن أبحث حول كيفية تدوين هذه السنة المطهرة من حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الآن ، أو ماذا جرى عليها ، فسألت عدداً من مشايخ أهل السنة وبعض المثقفين ، والكل أكد لي أنّ السنة تم تدوينها في عهد عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي ، وهذا ما كنت أعرفه من خلال دراستي الأكاديمية وقراءاتي لبعض الكتب.

لكن سؤالي كان : لماذا تأخر تدوين السنة لقرن كامل حتى دونت ؟

فكانت الأجوبة التي تقدّم إلي متضاربة ، وكانوا يقولون لي : خلاف جرى ، ولا دخل لنا فيه ، رؤية رآها أحد الصحابة بعدم كتابة الحديث حتى لا يختلط (الحابل بالنابل) ، وأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منع من الكتابة.

كيف منع التدوين والكتابة وهو يقول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من رغب عن سنتي فليس مني» (١) ، وقال أيضاً : «إنّه من أحيا سنّة من سنتي قد أميتت بعدي ، فإن له من الأجر مثل من عمل بها ...» (٢) ؟!.

فلماذا حصل هذا التعتيم حول السنة وتدوينها مع أنها دونت في عهد الرسول وكان حاضراً ؟! بدليل حديث عبدالله بن عمر وابن

_____________

(١) معجم الفاظ الحديث : مادة سنة.

(٢) سنن الترمذي : ٤ / ٤٠٩ (٢٦٧٧).

١٢٩

العاص حيث قال : «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أريد حفظه (فمنعتني) قريش ! قالوا : تكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأومأ باصبعه إلىٰ فيه ، وقال : اكتب فوالذي نفسي بيده ماخرج منه إلّا حق» (١).

وعندما عدت إلىٰ مسند أحمد وجدت حديثاً يثبت أنّ الحديث كان يكتب في عهد النبوة ، وهو عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : «قلت : يا رسول الله ، إنا نسمع منك أحاديثاً لا نحفظها ، أفلا نكتبها ؟ قال : بلى ، فاكتبوها» (٢).

وكل هذه دلائل كافية على ثبوت تدوين السنة في العهد النبوي (٣) لكن لماذا مُنِعَت فيما بعد ؟!

أسباب منع التدوين :

قالوا : إنّ أسباب المنع هو نهي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الكتابة ، وقد تبين خلاف ذلك من خلال الأحاديث المتقدمة آنفاً ، ولكن هناك

_____________

(١) سنن الدارمي : ١ / ١٣٦ (١٨٤) ، تحفة الأحوذي ، باب في الرخصة فيه : ٧ / ٣٥٧.

(٢) مسند أحمد : ٢ / ٢١٥ (٧٠١٨) و (٧٠٢٠).

(٣) هناك الكثير من الروايات ، ومن أراد المزيد فليراجع : مجمع الزوائد للهيثمي ، وتقييد العلم للخطيب.

١٣٠

حديث رواه الذهبي في «تذكرته» : «أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرموا حرامه» (١).

سألت نفسي : لماذا يحرمون ما أحله الله ورسوله والله سبحانه يقول : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (٢) ؟!

فكيف نعرف ماذا نأخذ عن الرسول الكريم وما أمرنا به وما نهانا عنه إذا أحرقت الأحاديث بعد جمعها ومنع الناس من الرواية ؟

والقرآن الكريم وحده لا يكفي لبيان الأمر ، فهو أشار إلى الصلاة لكن لم يبين لنا عدد ركعاتها ، وأشار إلى الزكاة ولم يبن لنا كيفيتها ، وأشار لنا إلى الحج ولكن لم يحدد لنا عدد الطواف ، وكل ذلك بينه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنا ، فكيف ينهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كتابة سنته وقد كان له كتاب وحيّ يكتبون كل ما يأتي به الوحي ؟!

ولماذا لم يُمنع اليهود والنصارىٰ من كتابة توراتهم أو إنجيلهم ؟!

لماذا لم يمنع الشعراء من كتابه شعرهم الذي بقي خالداً إلى الآن ؟!

_____________

(١) تذكرة الحفاظ : ١ / ٢ ـ ٣ ، الفصول في الأصول للجصاص : ١٦١.

(٢) الحشر : ٧.

١٣١

وطالما أنه نهىٰ ، لماذا أمر أسرىٰ بدر أن يعلّموا المسلمين القراءة والكتابة فدية لهم ؟!

ومن هنا كانت ادعاءات أبي بكر وعمر و... باطلة لايقرها دين ولا عقل ، ومحاولات باءت بالفشل وبانت الحقيقة ، وما شعار أبي بكر (حسبنا كتاب الله) إلّا تتمة وتأييداً لقول عمر بن الخطاب في رزية يوم الخميس ، عندما طلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دواة وكتفاً أو قرطاساً ليكتب للقوم عهده ووصيّته الأخيرة حتى لايضل الناس ، فصاح عمر : إنّ هذا الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله !! (١).

يالهول المصيبة ، حاكوا ودبروا المؤامرة ونفذوها.

ودليل آخر على وجود السنة مكتوبة ، هو جمع أبي بكر نفسه خمسمائة حديث بشهادة عائشة ، حيث قالت : «جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانت خمسمائة حديث ، فبات ليلته يتقلب كثيراً ، فغمني ذلك ، فقلت : أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك ؟ فلما أصبح قال : أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها ، فدعا بنار فحرقها ، فقلت : لم أحرقتها ؟! قال : خشيت أن أموت وهي عندي» (٢).

_____________

(١) صحيح مسلم ، كتاب الوصية : ٣١ / ١٠١٨ (١٦٣٧) ، وغيره.

(٢) تذكرة الحفاظ للذهبي ، كنز العمال : ١٠ / ٣٨٤ (٢٩٤٦٠) عن الحاكم.

١٣٢

والدليل الأهم هو جمع عمر بن الخطاب الأحاديث كلها التي عند الصحابة الموجودين في المدينة وإحراقها ، وهذا يدلّ على أن منع التدوين تم بتدبير الخليفتين.

والظاهر أنهم خافوا وارتابوا من أن نشر أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيبين خداعهم للأمة وغصبهم لحقّ ليس لهم ، وبفعلهم هذا الذي اتخذ سنة لمائة عام أرادوا تحطيم السنة المحمدية والتعتيم على فضائل آل البيت عليهم‌السلام.

لكن أبى الله إلّا أن يتم نوره ولو كره من كره ، وكانت إرادة الله أن تحفظ السنة بيد أهل البيت عليهم‌السلام ويتحملوا عبئها ويحدثون بها الاجيال جيلاً بعد جيل لكشف مؤامرات القوم.

١٣٣

١٣٤

ماذا جرى للأمّة ؟ :

بعدما عاد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حجة الوداع ، وبعد تنصيبه للإمام عليّ عليه‌السلام ، وبعد أن دخل المتظاهرون بالاسلام الدائرة الإسلامية والّذين سمّاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطلقاء ، بدأ عهد جديد للحرب بعد أن تيقنوا أنهم لا قدرة لهم بحرب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحزبه وجهاً لوجه ، وعليهم تغيير خطتهم والحرب خلف الكواليس ، لكنهم صدموا عندما وجدوا تياراً طامعاً مثلهم ، لكنه أكثر منهم قوة ، فهدأوا قليلاً ، لأنهم لا طاقة لهم بمقابلة جبهتين : جبهة محمد والمخلصين معه ، وجبهة الطامعين ، فهؤلاء سيتوحدون مع بعضهم مقابل الطلقاء الموتورين الذين مادخلوا للإسلام إلّا للقضاء على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذين أوتروهم من صناديد جيش محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ولقد عمل التيار الطامع للسلطة بتعبئة أعوانه وتحضيرهم لساعة الصفر المفترضة وأخذ يتحيّن الفرص ، وقد أحسّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ، وأن هناك خطرين أمامه وأمام أهل بيته ، فقال محذراً أمام بعض أصحابه : «في أصحابي اثنا عشر منافقاً ، فيهم ثمانية لا

١٣٥

يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط» (١).

وقد شهد حذيفة في هذا بقوله : «أشهد بالله اثنىٰ عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» (٢).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنا فرطكم على الحوض ، ولأنازعن أقواماً ثم لأغلبن عليهم فأقول : يارب أصحابي أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٣).

فحذّر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذا الخطر الداهم ، مؤكداً لأصحابه أنه لا بديل عن التمسك بكتاب الله وعترته أهل بيته.

ويتجلّىٰ كلّ هذا بوضوح لكلّ ناظر في التاريخ والسير ، فقد دخل عليه الإمام علي عليه‌السلام يوماً فرآه يبكي ، فقال له : «لِمَ تبكي يارسول الله؟ هل ألم بك شيء أو تعرض لك أحد بقول ؟» ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ، ولكن أبكي لما يستحل من دمك ، فإن القوم لن يتركوك قائماً ، والله لتختضب هذه من هذه» وأشار إلىٰ رأس الإمام ولحيته ، فقال له الإمام : «أفي سلامة من ديني ؟» ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «في سلامة من دينك» ، فقال الامام عليه‌السلام : «لا يهمني إذن» (٤).

_____________

(١) صحيح مسلم ، كتاب صفات المنافقين : ٤ / ١٧٠١ (٢٧٧٩) ، وغيره.

(٢) صحيح مسلم ، كتاب صفات المنافقين : ٤ / ١٧٠١ (٢٧٧٩) ، وغيره.

(٣) صحيح مسلم ، كتاب الفضائل : ٤ / ١٤٣٣ (٢٢٩٧) ، وغيره.

(٤) ينابيع المودة للقندوزي : ١ / ١٦٧ ، إقبال الأعمال لابن طاووس : ١ / ٢٧.

١٣٦

وجمع صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه يوماً وقال : «هلاك أمتي على يد غلمة من قريش» (١).

بل إنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدأ بإظهار ضغائن القوم وأفصح عنهم ، وقال : «إنّ أكثر بطون قريش عداء لي هم بنو أمية (٢) والشجرة الملعونة» ، فطرد الحكم بن العاص ولعنه وذريته ، وعندما أحسّ بالمرض جهز جيش أسامة وجعل كبار الصحابة سناً تحت إمرة أسامة بن زيد وأمرهم بالرحيل إلىٰ مؤته.

هذا بعض ماجرىٰ في آخر حياة نبي الرحمة والإنسانية صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولمن أراد التفصيل فليراجع كتب التاريخ.

وجدت بعد وفاة الرسول الأعظم أحداثاً وأموراً كثيرة ، وكان منها ما دفعني للاستبصار ما يلي :

حقائق تاريخية مذهلة :

كان حري بهم أن يمنعوا تدوين الحديث والسنة حتى يَضِلَّ الناس ليس فقط مائة عام ، بل مئات السنين حتى لا تنكشف حقيقة المتآمرين والذين انتظروا وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفارغ الصبر ، مع أن

_____________

(١) صحيح البخاري ، باب علامات النبوة : ٢ / ٤٣٨ (٣٦٠٥).

(٢) مستدرك الحاكم ، كتاب الفتن : ٥ / ٣٩٥ (٨٦٧٦) ، كنز العمال : ١ / ١٦٩ (٣١٠٧٤).

١٣٧

الرسول حاول جاهداً إبعاد الطامحين عن المدينة وإفساح المجال للإمام باستلام زمام الأمور في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد أن يرى الإمام يستلم الإمامة من بعده ، لذلك خرج مرات وهو متثاقل معصوب الرأس يدعو لانفاذ بعثة أسامة ، ولكن هيهات القوم لايريدون ، فخرج ولعن كل من تخلّف عن الجيش (١) ، فأخذوا يستدرون عطف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعطف أميرهم أسامة أننا لا نقوى على مفارقة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو على هذه الحال.

وكان أمر الله مفعولاً ، وتوفي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو غاضب عليهم وليس راضياً عنهم كما توهّم البعض ، لقد غضب على المتخاذلين عندما جاءوه يشتكون له من أسامة بن زيد ويطعنون به ، فخرج وقال : «وصلني أنكم تشككون بإمرة أسامة ، والله إنه لخليق بالامارة ، وقد شككتم من قبل بأبيه» ، والمرة الثانية غضب عليهم لعدم تنفيذ أوامره وخرج ولعن كل من أراد التخلف.

وعند وفاته انسحب بعضهم وهرعوا إلى السقيفة ، فقد حانت ساعة الصفر لديهم ، وفرصتهم هذه تاريخية لتقرير المصير بعد أن رأوا أهل بيت النبي عليهم‌السلام والمخلصين منشغلون بتجهيز النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتغسيله فلن يستطيعوا المعارضة الآن على الأقل ، وهناك قسم لا

_____________

(١) الملل والنحل للشهرستاني : ١ / ٢٣ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٦ / ٥٢ نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري.

١٣٨

بأس به تحرك مع أسامة بن زيد.

إذن يجب ترتيب كل شيء وبسرعة ولا يهمهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

هذه الفاجعة هزّت كيان ، كيف هذا ؟

قلت في نفسي : كيف سمح هؤلاء لأنفسهم أن يفعلوا هذا الأمر ؟ لقد رموا جهود رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتربيتهم وتهذيب أخلاقهم عرض الحائط ، حتى أن الإمام عليه‌السلام لم يصدق أن يقوموا بهذا الامر بسرعة ! جاء البراء بن عازب وطرق باب غرفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان أهل البيت منشغلون بتجهيز النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال العباس للإمام : لقد فعلوها ورب الكعبة ، وجاء تيار الموتورين بقيادة أبي سفيان وقال أبو سفيان للإمام عليه‌السلام وهو يرىٰ غصب الخلافة منه أمام عينه : إذا أردت أن أملأ لك الأرض خيلاً الآن لفعلت ، كيف يحدث هذا وأنت موجود ؟!

وأحس الإمام عليه‌السلام أن أبا سفيان يصطاد في الماء العكر لمعرفته ببواطن بني أمية التي ظهرت بعد حين ، فأراد أن يضيع عليه الفرصة للفتنة ، فنهره وزجره وابتعد عنه.

وبعد ذلك بدأ تسلسل الأحداث المخطط لها قبلا ، التي بيّن أمير المؤمنين جملة منها في أقواله :

فقال الإمام علي عليه‌السلام في خطبة شهيرة له : «اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم ، فقد قطعوا رحمي ، وصغروا عظيم منزلتي ،

١٣٩

وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي» (١).

وقال : «وقد قال قائل : إنك على هذا الأمر يابن أبي طالب لحريص ، فقلت : بل أنتم والله لأحرص ... وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه» (٢).

وقال مرة : «فجزت قريشاً عني الجوازي ، فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن امي» (٣).

وما كان بعد ذلك أعظم وأدهىٰ :

بضرب الزهراء عليها‌السلام !

وهتك حرمة بيتها !

وقتل السبطين !

وجرت سنة قتل آل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أوصىٰ بهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !.

اعتراف عمر أيقظني من الغفلة :

إنّ الجرأة التي وجدتها عند عمر بن الخطاب ليست شجاعة ، بل هي تجرّي وانتهاز فرص ، فقد أغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواطن

_____________

(١) نهج البلاغة ، تحقيق محمد عبده : ٢ / ٨٥ الخطبة ١٧٢ .

(٢) نهج البلاغة ، تحقيق محمد عبده : ٢ / ٨٤ الخطبة ١٧٢ .

(٣) نهج البلاغة ، تحقيق محمد عبده : ٣ / ٦١ الكتاب ٣٦.

١٤٠