العباد لايمكن صدورها منه تعالى باعمال قدرته وإرادته ، كيف حيث إنّ صدورها لا ينبغي من العباد فما ظنّك بالحكيم تعالى.
الثاني : أنّ الارادة بمعنى إعمال القدرة والسلطنة يستحيل أن تتعلق بفعل الغير ، بداهة أنّها لاتعقل إلاّفي الأفعال التي تصدر من الفاعل بالمباشرة ، وحيث إنّ أفعال العباد تصدر منهم كذلك ، فلا يعقل كونها متعلقةً لارادته تعالى وإعمال قدرته.
نعم ، تكون مبادئ هذه الأفعال كالحياة والعلم والقدرة وما شاكلها تحت إرادته سبحانه ومشيئته. نعم ، لو شاء ( سبحانه وتعالى ) عدم صدور بعض الأفعال من العبيد فيبدي المانع عنه أو يرفع المقتضي له ، ولكن هذا غير تعلق مشيئته بأفعالهم مباشرة ومن دون واسطة.
الوجه الثالث : أنّ الله تعالى عالم بأفعال العباد بكافّة خصوصياتها من كمّها وكيفها ومتاها وأينها ووضعها ونحو ذلك ، ومن الطبيعي أنّه لا بدّ من وقوعها منهم كذلك في الخارج ، وإلاّ لكان علمه تعالى جهلاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وعليه فلا بدّ من الالتزام بوقوعها خارجاً على وفق إطار علمه سبحانه ، ولا يمكن تخلّفه عنه ، فلو كانوا مختارين في أفعالهم فلا محالة وقع التخلف في غير مورد وهو محال.
وقد صرّح بذلك صدر المتألهين بقوله : وممّا يدل على ما ذكرناه من أنّه ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان أن لا يفعل ، حيث إنّ الله تعالى إذا علم أنّه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني ، فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلاً ، وذلك محال ، والمؤدي إلى المحال محال ، فعدم وقوع ذلك الفعل محال ، فوقوعه واجب ، لاستحالة خروجه من طرفي النقيضين (١).
__________________
(١) الأسفار ٦ : ٣١٨.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٤٣ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F924_mohazerat-fi-osolalfeqeh-43%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
