ولما كان التقدير بما أرشد إليه (رَبَّنا) : فإنه منك مبدأنا ، عطف عليه قوله حثا على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص : (وَإِلَيْكَ) أي لا إلى غيرك (الْمَصِيرُ) أي مطلقا لنا ولغيرنا. وقال ابن الزبير : ولما بين سبحانه وتعالى أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق الأمم كما يشاء وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيرا من حالهم ونهيا عن مرتكبهم وحصل قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود وأعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال سبحانه وتعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ) فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا : (سَمِعْنا وَأَطَعْنا) لا كقول بني إسرائيل. (سَمِعْنا وَعَصَيْنا) [البقرة : ٩٣] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان فقال : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ،) فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذا وتركا وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه. وكان العباد لما علموا (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة : ٦] ـ إلى آخر السورة قيل لهم : عليكم بالكتاب ـ إجابة لسؤالهم ؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم : أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين بيّن شأنهم وأمرهم ، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم ، والضالون هم النصارى الذين بيّن أمرهم وشأنهم ؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك ، وأن يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية ، ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما يثمره الخطأ والنسيان ، وأن لا يحمله ما ليس في وسعه ، وأن يعفو عنه ـ إلى آخر السورة ؛ انتهى.
ولما منّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم : (لا يُكَلِّفُ اللهُ) أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال (نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه ، وذلك هو الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار العبد بفعله ، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معينا لصاحبه ، فهذا لا يقع التكليف به ويجوز التكليف به ؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلىاللهعليهوسلم عنه سبحانه وتعالى خوفا من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
