يسير من تربيته لهن ، وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليهالسلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى : (ثُمَّ اجْعَلْ) عطفا بكلمة المهلة تجاوزا بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة ، كما تصير المواليد ترابا عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية (عَلى كُلِّ جَبَلٍ) من الجبال القريبة إليك (مِنْهُنَّ جُزْءاً) والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه ، فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) [يس : ٥٣] (فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) [النازعات : ١٣] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل ، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءا حيث كان يشبه بعضه بعضا (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً) والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس ، والمعنى في إتيان الطائر طائرا حظ من منّته وفي إتيانه سعيا حظ من ذلته ، فلذلك جلبهن عليه سعيا بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقا للمثول وغايته مرأى عين ، فصار موقنا مطمئنا وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى صلىاللهعليهوسلم ، «وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر ، فصارت مثل أختها» (١) في أشياء من أمثال ذلك ، على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران ، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عددا كثيرا ، وإنما لم يكثر ذلك على يده صلىاللهعليهوسلم لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث ، ومحط الإيمان التصديق بالغيب ، فلو كثر وقوع ذلك له صلىاللهعليهوسلم لكشف الغطاء ، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي الرحمة صلىاللهعليهوسلم ، وأما عيسى عليه الصلاة والسّلام فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب ، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر ـ والله سبحانه وتعالى الموفق.
__________________
(١) غريب هكذا. وأخرجه الحاكم ٣ / ١٠٦ وابن هشام في سيرته ٢ / ٢٠٤ من طريقين ورواية ابن إسحاق عن ابن عباس وفيه : «أن معاذ بن عمرو هو الذي قتل أبا جهل وأن عكرمة ضربه فقطع يده ، فلما آذته وضع قدمه عليها حتى طرحها ، وتابع القتال» ا ه. إسناد ابن إسحاق حسن حيث صرح بالتحديث. وانظر الإصابة ٨٠٥١.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
