لخليله صلىاللهعليهوسلم على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان ، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله سبحانه وتعالى (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة : ٢٥٧] وذكر عن الخليل عليه الصلاة والسّلام أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء ، فتعجب منها وقال : يا رب! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك ، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان (وَلكِنْ) أريد المعاينة (لِيَطْمَئِنَ) من الطمأنينة وهي الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق (قَلْبِي) من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له ، فلما كان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام متهيئا لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها ، فأجابه الله بما قد هيأه له ، فضرب سبحانه وتعالى له مثلا أراه إياه ، جعله جري العيان جلي الإيقان ، وذلك أن الله تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده أنه الإله الواحد ، والواحد بريء من العد ، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور العد ، فأول العد الاثنان (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) [الذاريات : ٤٩] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد ، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلّا وجزءا فيكون زوجا من زوج ، فكان ذلك العد هو الأربع ، فجعله الله سبحانه وتعالى أصلا لمخلوقاته فكانت جملتها وتره ، فجعل الأقوات من أربع (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت : ١٠] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعا ، وجعل الأقطار أربعا ، وجعل الأعمار أربعا ، وقال عليه الصلاة والسّلام : «خير الرفقاء أربعة ، وخير البعوث أربعون ، وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف» (١) والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) [الجمعة : ٢] ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
__________________
(١) حسن. أخرجه أبو داود ٢٦١١ والترمذي ١٥٥٥ وابن خزيمة ٢٥٣٨ والطحاوي في المشكل ١ / ٢٣٨ والبيهقي ٩ / ١٥٦ والحاكم ١ / ٤٤٣ و ٢ / ١٠١ وابن حبان ٤٧١٧ وأبو يعلى ٢٥٨٧ وأحمد ١ / ٢٩٤ والديلمي في الفردوس ٢٨٨٨ كلهم من حديث ابن عباس. قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم ، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري مرسلا ا ه. وقال الحاكم : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه لخلاف بين الناقلين فيه عن الزهري ا ه ووافقه الذهبي. وقال المناوي في قيض القدير ٣ / ٤٧٤ : ولم يصححه الترمذي لأنه يروى مسندا ومرسلا ومفصلا ، قال ابن القطان : لكي هذا ليس بعلة ، فالأقرب صحته. وقال البيهقي : تفرد به جرير بن حازم موصولا ، وتعقبه ابن التركماني بقوله : هذا ممنوع لأن جريرا ثقة ، وقد زاد الإسناد فيقبل قوله ، كيف وقد تابعه عليه غيره ا ه. قلت : فتلخص من كلامهم أن الحديث حسن والله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
