عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفا على السؤال عن المقتضي لتبذير المال (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ) وأشعر تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات المقتضية لذلك ، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه والجواب في قوله : (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ) [البقرة : ٢١٥] ، منع من توقع سؤال آخر ، وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلا ، وادعاء أن سبب العطف النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقا مع كونه غير شاف للغلة بعدم بيان الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) [البقرة : ٢٨١] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح (١) ومن تتبع أسباب النزول وجد كثيرا من ذلك. وقال الحرالي : في العطف إنباء بتأكد التلدد مرتين كما في قصة بني إسرائيل ، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما ، وقال سبحانه وتعالى في الجواب : (قُلِ الْعَفْوَ) وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة قال : فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها على نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة من اليسر ، فصار المنفق على ثلاث رتب : رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة ، وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه ، وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها «قالت امرأة للنبي صلىاللهعليهوسلم : ما يحل لنا من أموال أزواجنا ـ تسأل عن الإنفاق منها ، قال : الرطب ـ بضم الراء وسكون الطاء ـ تأكلينه وتهدينه» (٢) لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده ؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها ـ انتهى. وفي تخصيص المنفق بالعفو منع لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف ، إذ كان الأغلب أن تكون تصرفاته لا على هذا الوجه ، لأن حالة السكر غير معتد بها
__________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى ١١٠٥٧ و ١١٠٥٨ بسنده عن ابن عباس قال : آخر شيء نزل من القرآن (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ). ويوب به البخاري ٨ / ٢٠٥ والواحدي في أسباب النزول ص ٨ مسندا ومعلقا بلا سند ، وذكره ابن كثير في تفسيره ١ / ٣٤١.
(٢) حسن. أخرجه أبو داود ١٦٨٦ من حديث سعد بن أبي وقاص سكت عليه هو والمنذري في مختصره ١٦١٦ وإسناده حسن. والمشهور في هذا ما أخرجه البخاري ٥٣٧٠ ومسلم ١٧١٤ من حديث عائشة في خبر هند وفيه : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
