هو منه أو متبعه ، لأن للنبي ترتبا فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته ، فكان قول الرسول المنبىء عن حالهم (مَتى نَصْرُ اللهِ) فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج ، ففي إشعاره إعلام بأن الله سبحانه وتعالى إنما يفرج عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق وتتعلق ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول صلىاللهعليهوسلم : «لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده» (١) إعلاما بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه ، كذلك سنته مع رسله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) [غافر : ٥١] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب ، وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول ، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم ، له وقع في البواطن والظواهر ، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول ، ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه ـ انتهى. وهو في النصب واضح فإن حتى مسلطة على الفعل ، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء من بيانها بالفعل.
ولما كان معنى الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة المنادي في حال اشتداد الضر بقوله : (أَلا) قال الحرالي : استفتاحا وتنبيها وجمعا للقلوب للسماع (أَنْ) تأكيدا وتثبيتا (نَصْرُ اللهِ) الذي لا سبب له إلا العناية من ملك الملوك بعد قطع كل سبب من دونه (قَرِيبٌ) لاستغنائه عن عدة ومدة ، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعية ، والاستغناء بتعلق القلوب بالله ، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها ، لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام ، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة «قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير» (٢) قال صلىاللهعليهوسلم : «إنا إذا
__________________
(١) صحيح. أخرجه أبو داود ٤٥٤٨ وابن حبان ٦٠١١ والدار قطني ٣ / ١٠٤ ـ ١٠٥ كلهم عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص : «أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم خطب يوم الفتح بمكة ، فكبر ثلاثا ، ثم قال : لا إله إلا الله وحده ... الحديث بأتم منه. وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات.
وورد من حديث ابن عمر ، أخرجه أبو داود ٤٥٤٩ والنسائي ٨ / ٤٢ وابن ماجه ٢٦٢٨ والشافعي ٢ / ١٠٨ وعبد الرزاق ٢ / ١٧٢ وابن أبي شيبة ٩ / ١٢٩ وأحمد ٢ / ١١ والدارقطني ٣ / ١٠٥ والبيهقي ٨ / ٤٤ والبغوي ٢٥٣٦ كلهم عنه وفيه ضعف بسبب علي بن زيد بن جدعان لكنه شاهد لما قبله.
(٢) هذا باطل. يشير المصنف لما أخرجه ابن ماجه ٤٠٩٤ من حديث كثير بن عبد الله بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعا ، وفيه : يا عليّ يا عليّ يا عليّ! قال : بأبي أنت ، وأمي! قال : إنكم ستقاتلون
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
