مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين الاستبصار بأحوال بني إسرائيل.
ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مرا وللنفوس مضرا قال تعالى مبشرا بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغبا في التقوى بعد الإيمان : (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) أي آمنوا خوفا من الله تعالى ، فأخرج المنافقين والذين يمكن دخولهم في الجملة الماضية (فَوْقَهُمْ) في الرزق والرتبة والمكان بدليل (أَفِيضُوا) [الأعراف : ٥٠] وآية (إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) [الصافات : ٥١] وكل أمر سار (يَوْمَ الْقِيامَةِ) فهم يضحكون منهم جزاء بما كانوا يفعلون.
ولما كان تبدل الأحوال قريبا عندهم من المحال كان كأنه قيل في تقريب ذلك : برزق من عند الله يرزقهموه (وَاللهُ) بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر كرمه (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) أي في الدنيا وفي الآخرة ولو كان أفقر الناس وأعجزهم. ولما كان الإعطاء جزافا لا يكون إلا عن كثرة وبكثرة قال : (بِغَيْرِ حِسابٍ) أي رزقا لا يحد ولا يعد ، لأن كل ما دخله الحد فهو محصور متناه يعد ، وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في حقه على حقيقتها من هذه الحيثية.
ولما كان كأنه قيل : هل كان هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث فيكون حدوثه أعجب؟ فقيل : لا فرق عند الحكيم بين هذا وذاك ، فإن قدرته على الكبير والصغير والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان والواضح (كانَ النَّاسُ) أي كلهم (أُمَّةً) أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضا ويقتدي بعضهم بعضا ثم أكد اجتماعهم فقال : (واحِدَةً) أي على الصراط المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) [يونس : ١٩] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : على الإسلام كلهم (فَبَعَثَ اللهُ) أي الذي لا حكم لغيره (النَّبِيِّينَ) الذين رفعهم الله تعالى على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه (مُبَشِّرِينَ) لمن أطاع ، وهو جار مجرى حفظ الصحة ، ولأنه مقصود بالذات قدم (وَمُنْذِرِينَ) لمن عصى ، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء. قال الحرالي : فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر ، لا يستأنفون أمرا لم يكن بل
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
