ذاك؟ قال : لا ، قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» (١).
ولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتما كان كأنه قيل : ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر؟ فقيل : أبي أكثرهم ، فقيل : إن هذا لعجب! ما الذي صدهم؟ فقيل : تقدير العزيز الذي لا يخالف مراده الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه ، فقيل : كيف يتصور من العاقل كفر النعمة؟ فبين أن سبب ذلك غالبا الترفع والتعظيم والكبر والبطر فرحا بما في اليد وركونا إليه وإعراضا عما خبىء في خزائن الله في حجب القدرة فقال مستأنفا بانيا للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون بكل مزين (زُيِّنَ) قال الحرالي : من التزيين بما منه الزينة. وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين ـ انتهى. (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) حتى بدلوا النعمة (الْحَياةُ الدُّنْيا) لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة. قال الحرالي : ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق ، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى : (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) [الأنعام : ١٠٨].
ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال : (وَيَسْخَرُونَ) أي والحال أنهم لا يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية ، وهي استزراء العقل هزؤا. وقال الحرالي : هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في الفعل حسا (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا رغبة فيما عند الله لما وهبهم الله سبحانه وتعالى من العلم الخارق لتلك الحجب الكاشف لأستار المغيب ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضا لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان بأنواع التهديد التي لا
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٥٠١٨ ومسلم ٧٩٦ كلاهما عن أبي سعيد الخدري : أن أسيد بن حضير كان يقرأ سورة البقرة ، وفرسه مربوط عنده ... بأتم من سياق المصنف.
تنبيه : تبين من ذلك أن صاحب القصة هو أسيد بن حضير لا كما ذكر المصنف : أنه عمران بن حصين. وأخشى أن يكون هناك تحريف ، أو هو سبق قلم. ومما يدل على ما ذكرت أن ابن كثير ذكر هذا الخبر في تفسيره ١ / ٣٥ عن أسيد بن حضير ، ثم قال : ووقع نحو هذا لثابت بن قيس بن شماس ، رواه أبو عبيد ، وفيه إرسال ا ه. والله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
