لطيف الشيء من جملته ـ انتهى. وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهاما لأن المعنى أن غرضه أولا بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانيا بالإهلاك التوصل إلى الإفساد (وَاللهُ) أي والحال أن الملك الأعظم (لا يُحِبُّ الْفَسادَ) أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل بغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه ، ولم يقل : الهلاك ، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحا كما إذا كان قصاصا ولا قال : الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد ، والآية من الاحتباك ، ذكر أولا الإفساد ليدل على حذفه ثانيا وثانيا الإهلاك ليدل على حذفه أولا ، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان.
ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقا لألديته فقال مبشرا بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : (وَإِذا قِيلَ لَهُ) من أي قائل كان (اتَّقِ اللهَ) أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما أنت عليه من الفساد (أَخَذَتْهُ) أي قهرته لما له من ملكة الكبر (الْعِزَّةُ) في نفسه لما فيها من الكبرياء والاستهانة بأمر الله ، وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعا (بِالْإِثْمِ) أي مصاحبا للذنب ، وهو العمل الرذل السافل وما ـ لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه.
ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائما يمهد به لنفسه التمكين مما يريد سبب عنه قوله : (فَحَسْبُهُ) أي كفايته (جَهَنَّمُ) تكون مهادا له كما مهد للفساد ، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال بوجه كريه لما وقع منه من المواجهة لمن أمره من مثله. قال الحرالي : فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى النار باسم من أسمائها ـ انتهى. (وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) هي والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ ـ قاله الحرالي ، وقال : فيه إشعار بإمهال الله عزوجل لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة ، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدنيا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها.
ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاما وبينهما تباين فإن الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس فقال : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ) أي شخص أو الذي (يَشْرِي) أي يفعل هذا الفعل كلما لاح له وهو أنه يبيع بغاية الرغبة والانبعاث (نَفْسَهُ) فيقدم على إهلاكها أو يشتريها بما يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
