سبحانه لفعل بقية ما عليكم من تتمات العبادات الحجية أولها يوم القر (١) ، وهو الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى ، ثانيها يوم النفر الأول ، ثالثها يوم النفر الأعظم ، والثلاثة تسمى أيام التشريق ، وهى مع يوم العيد تسمى أيام النحر. والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر ، ولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها ـ في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسرا لأنّ الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم ، والضعيف في هذا الدين أمير على القوي فقال مشيرا إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه : (فَمَنْ تَعَجَّلَ) منكم النفر للرجوع إلى أوطانه (فِي يَوْمَيْنِ) منها (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) والعجلة فعل الشيء قبل وقته الأليق به ، وقيد باليومين إعلاما بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمي اليوم الثالث ، فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي ، قال في شرح المهذب (٢) : بلا خلاف ، وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل منها ، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة.
ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوما يسابقون إلى المعالي وكان سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر فعبر عنه أيضا بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر الأول بالتعجل فقال : (وَمَنْ تَأَخَّرَ) أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة فرمى اليوم الثالث (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن. قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب : يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث ، وهذا مجمع عليه لقوله تعالى : (فَمَنْ تَعَجَّلَ) ـ الآية ، قالوا : والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل للأحاديث الصحيحة «أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم نفر في اليوم الثالث» (٣).
ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله : (لِمَنِ) أي هذا
__________________
(١) يوم القرّ : بعد يوم النحر لأن الناس يقرّون في منازلهم. ا ه. مغرب.
(٢) شارح المهذب هو الإمام النووي رحمهالله. وصاحب المهذب هو الرافعي رحمهالله تعالى.
(٣) صحيح. وقد ورد في هذا الباب ما هو مرفوع صريحا قوليا. فقد أخرج البخاري ٣٩٣٣ ومسلم ١٣٥٢ ح ٤٤٢ والحميدي ٨٤٤ والشافعي ١ / ٣٦٨ وأحمد ٤ / ٣٣٩ وأبو داود ٢٠٢٢ والترمذي ٩٤٩ والنسائي ٣ / ١٢١ ـ ١٢٢ وابن ماجه ١٠٧٣ وابن حبان ٣٩٠٦ و ٣٩٠٧ كلهم من حديث العلاء بن الحضرمي : يمكث المهاجر ثلاثا بعد قضاء نسكه. ورواية البخاري : بعد الصّدر.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
