فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور ـ انتهى. (فَلا عُدْوانَ) أي فلا سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم ، فإنه لا عدوان (إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) قال الحرالي : فذكر الظلم الشامل لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه ـ انتهى. ويجوز أن يكون التقدير : فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم ، فإن اعتديتم عليهم سلطانا عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم ، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء ، فلا عدوان إلّا عليكم لا عليهم ، ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم.
ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم عندهم شديدا جدا ثار ـ العزم للسؤال عنه فقال معلما لهم ما يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام : (الشَّهْرُ الْحَرامُ) وهو ذو القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام (بِالشَّهْرِ الْحَرامِ) الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية. ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال : (وَالْحُرُماتُ) أي كلها وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك (قِصاصٌ) أي تتبع للمساواة والمماثلة (فَمَنِ) أي فتسبب عن هذا أنه من (اعْتَدى عَلَيْكُمْ) أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) أي فجاوزوه ، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطينا لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له (بِمِثْلِ مَا اعْتَدى) أي عدوانه (عَلَيْكُمْ) أي بمثل الذي اعتدى عليكم به ، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول : الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك ، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه. ولما جعل المماثلة حدا وكان أمرها خفيا والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعبا حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر أغلبه بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي المحيط علما بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا تتجاوزوا (وَاعْلَمُوا) وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلا فقال : (أَنَّ اللهَ) أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله (مَعَ الْمُتَّقِين) ومن كان الله معه أفلح كل الفلاح «وما زاد الله عبدا بعفو إلّا عزا» (١). قال
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٢٥٨٨ والترمذي ٢٠٢٩ والدارمي ١ / ٣٩٦ وأحمد ٢ / ٢٣٥ ـ ٣٨٦ ـ ٤٣٨ وابن خزيمة ٢٤٣٨ وابن حبان ٣٢٤٨ والبيهقي ٤ / ١٨٧ و ٨ / ١٦٢ والبغوي ١٦٣٣ كلهم من حديث أبي هريرة ، وصدره : «ما نقصت صدقة من مال ...» وعجزه : «ولا تواضع أحد لله إلا رفعه».
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
