بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال عليه الصلاة والسّلام ناهيا عن ذلك لذلك : «من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر زاد ما زاد» (١) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه : «من طلب علم النجوم تكهن» مرشدا سبحانه وتعالى إلى ما فيه صلاحهم : (هِيَ مَواقِيتُ) جمع ميقات من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به لاحق. وقال الأصبهاني : والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان ، والزمان مدة مقسومة ، والوقت الزمان المفروض لأمر ما. (لِلنَّاسِ) في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ليعلموا عدد السنين والحساب (وَالْحَجِ) صرح به لأنه من أعظم مداخلها. قال الحرالي : وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة ، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد ـ انتهى.
ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلا منكرا وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس ، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق : ملاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض ، وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام ، قال تعالى عاطفا على (لَيْسَ الْبِرُّ) مقبحا لذلك الفعل عليهم منبها على أنهم عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم ، ويجوز أن يكون معطوفا على حال دل عليها السياق تقديرها : والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها (وَلَيْسَ الْبِرُّ) وأكد النفي بزيادة الباء في قوله : (بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ) أي لا الحسية ولا المعنوية (مِنْ ظُهُورِها) عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه ليس البر بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم.
ولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال : (وَلكِنَّ الْبِرَّ) قال الحرالي : بالرفع والتخفيف استدراكا لما هو البر وإعراضا عن الأول ، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه ـ انتهى. (مَنِ اتَّقى) فجعل المتقي نفس البر إلهابا له إلى الإقبال على التقوى لما كانت التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها. ولما كان التقدير : فاتقوا فلا تسألوا عما لا
__________________
(١) تقدم تخريجه عند قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) من حديث ابن عباس ، وإسناده جيد.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
