صائم ، ثم يرى يأكل من وقته فيقال له في ذلك فيقول : قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر ، فأنا صائم في فضل الله مفطر في ضيافة الله ، كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنّهى بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة ـ انتهى بمعناه.
ولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه الحرمات ضمن ما قدم في الأحكام أما في المناهي فصريحا وأما في الأوامر فلزوما وتقدم فيها لأن حمله سبحانه وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها وتأكيد تحريمها باستئناف قوله مشيرا بأداة البعد : (تِلْكَ) أي الأحكام البديعة النظام العالية المرام (حُدُودُ اللهِ) وذكر الاسم الأعظم تأكيدا للتعظيم ، وحقيقة الحد الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر ، فأطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن وأعاد الضمير على مفهومه المطابق استخداما فقال : (فَلا تَقْرَبُوها) معبرا بالقربان ، لأنه في سياق الصوم والورع به أليق ، لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات فهو نهي عن الشبهات من باب «من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» فيدخل فيه مقدمات الجماع فالورع تركها.
ولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق إدراكه الإنسان كان كأنه قال دهشا : هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا؟ فقيل بيانا للواقع وتشويقا إلى التلاوة وحثا على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه : (كَذلِكَ) أي مثل هذا البيان العلي الشأن (يُبَيِّنُ اللهُ) لما له من العظمة التي لا تحصر بحد ولا تبلغ بعد (آياتِهِ) التي يحق لعظمتها أن تضاف إليه وقال : (لِلنَّاسِ) إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه إلى أن يصل البيان إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي ، وعلل ذلك بقوله : (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي ليكون حالهم حال من يرجى منه خوف الله تعالى لما علموا من هذا البيان من عظمته ، وأشعر هذا الإبهام أن فيهم من لا يتقي.
ولما أذن سبحانه وتعالى فيما كان قد منع منه من المطعم والمنكح للصائم وقدم المنكح لأنه أشهى إذ الطبع إليه أدعى ولأن المنع منه كان في جميع الشهر فالضرر فيه أقوى ، وأتبعه الإذن في الأكل لأنه قوام الجسم وأولاه المنع من النكاح في بعض الأحوال ، فعل كذلك في المال الذي منه الأكل لأنه قد كان مما خان فيه أهل الكتاب عهد كتابهم واشتروا به ثمنا قليلا كثيرا من أمره لا سيما تحريم الرشوة فإنهم أخفوه
__________________
ـ ٢ / ١٨٩ ـ ٢٠٠ والطحاوي ٢ / ٨٥ وابن حبان ٣٥٧١ من طرق كلهم من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ، وله قصة.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
