الظاهر وأن التكليف بما في الوسع (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) قال الأصبهاني : وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. وقال الحرالي : فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط (مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) قال الأصبهاني : وهو ما يمتد معه من غبش الليل أي البقية من الليل ، وقيل : ظلمة آخر الليل ، شبها بخطين أبيض وأسود. وقال الحرالي : ففيه إنهاض لحسن الاستبصار في ملتقى الليل والنهار حتى يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته ورقته وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله حتى أخذ أعرابي (١) ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل (مِنَ الْفَجْرِ) يعني فبين الأبيض ، فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو الكلام ، وهذه الاستعارة وإن كانت متعارفة عندهم قد نطقت بها شعراؤهم وتفاوضت بها فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها ، وزيد في البيان لأنها خفيت على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه (٢) ، فلم تكن الآية مجملة ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة ، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي صلىاللهعليهوسلم على عدي رضي الله تعالى عنه عدم فهمها. وقال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه بناء على أنها مجملة : والخطاب بالإجمال ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام تكليف ما لا يطاق وإلزام العمل يستلزم البيان وإلا عاد ذلك الممتنع ، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ممكن ، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم المكون ، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان والبيان فيه بمنزلة تخطيط الصور وذلك ظاهر عند من زاوله ، وحينئذ فلا يقال : خطاب الإجمال عديم الفائدة لأنه
__________________
(١) صحيح. يشير المصنف لما أخرجه البخاري ٤٥١١ ومسلم ١٠٩١ كلاهما عن سهل بن سعد قال : أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل (من الفجر) وكان الرجل يأخذ خيطا أبيض ، وخيطا أسود ، فيأكل حتى يستبينهما ، فأنزل الله عزوجل (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنما يعني الليل من النهار ، ا ه. وشاهده الآتي.
(٢) صحيح. مراد المصنف ما أخرجه البخاري ١٩١٦ و ٤٥٠٩ و ٤٥١٠ ومسلم ١٠٩٠ وأبو داود ٣٣٤٩ والترمذي ٦٩٧١ والدارمي ٢ / ٥ ـ ٦ والحميدي ٩١٦ وابن خزيمة ١٩٢٥ وابن حبان ٣٤٦٢ و ٣٤٦٣ وأحمد ٤ / ٣٧٧ والطحاوي ٢ / ٥٣ والبيهقي ٥ / ٢١٤ كلهم من حديث الشعبي عن عدي بن حاتم قال : «لما نزلت (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) أخذت عقالا أبيض ، وعقالا أسود ، فوضعتهما تحت وسادتي أعرف الليل من النهار ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل ، وبياض النهار» ا ه.
قال النووي : معناه إن وسادتك يعلو الليل والنهار فهو عريض ، وأنكر عياض أن يكون معناه الغباوة.
وقد وقع في رواية : إنك لعريض القفا. أي أن من يكون وساده عريضا يكون قفاه عظيما ا ه. بتصرف واختصار.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
