بذله على حبه فقال ـ وقال الحرالي : لما أظهر سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه المخاطبات وما ألزمه من الكتاب وعلمه من الحكمة وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون وصفا ثابتا أو استجدادا معالجا حسب ما ختم به آية (لَيْسَ الْبِرَّ) من قوله : (هُمُ الْمُتَّقُونَ) وما ختم به آية القصاص في قوله : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) رفع رتبة الخطاب إلى ما هو حق على المتقين حين كان الأول مكتوبا على المترجين لأن يتقوا تربية وتزكية بخطاب يتوسل به إلى خطاب أعلى في التزكية لينتهي في الخطاب من رتبة إلى رتبة إلى أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب وأحوالها كما تقدمت الإشارة إليه ، ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل والقصاص الذي هو حال حضرة الموت انتظم به ذكر الوصية لأنه حال من حضره الموت ، انتهى ـ فقال : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) أي فرض كما استفاض في الشرع وأكد هنا بعلى ، ثم نسخ بآية المواريث وجوبه فبقي جوازه ، وبينت السنة أن الإرث والوصية لا يجتمعان ، فالنسخ إنما هو في حق القريب الوارث لا مطلقا فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١) رواه أحمد والأربعة وغيرهم عن عمرو بن خارجة وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهما (إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أي بحضور أسبابه وعلاماته (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) أي ما لا ينبغي أن يوصى فيه قليلا كان أو كثيرا ، أما إطلاقه على الكثير فكثير ، وأطلق على القليل في (إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص : ٢٤] ثم ذكر القائم مقام فاعل كتب بعد أن اشتد التشوف إليه فقال : (الْوَصِيَّةُ) وذكر الفعل الرافع لها لوجود الفاصل إفهاما لقوة طلبه (لِلْوالِدَيْنِ) بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما (وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) أي العدل الذي يتعارفه الناس في التسوية والتفضيل. قال الحرالي : وكل ذلك في المحتضر ، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرها ـ انتهى. وأكد الوجوب بقوله : (حَقًّا) وكذا قوله : (عَلَى الْمُتَّقِينَ) فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله على النقير والقطمير.
ولما تسبب عن كونه فعل ما دعت إليه التقوى من العدل وجوب العمل به قال :
__________________
(١) صحيح. أخرجه سعيد بن منصور ٤٢٨ والترمذي ٢١٢١ والدارمي ٢ / ٤١٩ وابن ماجه ٢٧١٢ والطيالسي ١٢١٧ وأحمد ٤ / ١٨٦. ١٨٧. ٢٣٨ ، ٢٣٩ كلهم من حديث عمرو بن خارجة.
قال الترمذي : حسن صحيح. وأخرجه أبو داود ٣٥٦٥ وسعيد بن منصور ٤٢٧ والترمذي ٢١٢٠ وابن ماجه ٢٧١٣ والطيالسي ١١٢٧ وأحمد ٥ / ٢٦٧ والبيهقي ٦ / ٢٦٤ كلهم من حديث أبي أمامة.
قال الترمذي حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه ٢٧١٤ من حديث أنس ، وصححه البوصيري في الزوائد. وله شواهد أخرى ، راجع نصب الراية ٤ / ٤٠٤ للزيلعي ، وتلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ٣ / ٩٢.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
