إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع ، وفي قوله : (غَفُورٌ) إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد إلّا عن ذنب أصابه ، فلو لا المغفرة لتممت عليه عقوبته ، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) [الروم : ٤٩] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان «جهز رسول الله صلىاللهعليهوسلم جيشا ففنيت أزوادهم فأقاموا أياما يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر» (١) فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٢) وفي قوله : (رَحِيمٌ) إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئا لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدها إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله ـ انتهى ؛ وتصرفت فيه. ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلا وتقليدا تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي صلىاللهعليهوسلم وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفا على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين : أحدهما نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٤٨٣ ، ٤٣٦٠ ، ٢٩٨٣ ومسلم ١٩٣٥ والترمذي ٢٤٧٥ والنسائي ٧ / ٢٠٧ والبيهقي ٩ / ٢٥٢ وابن حبان ٥٢٦١ ، ٥٢٦٢ والبغوي ٢٨٠٥ وعبد الرزاق ٨٦٦٦ كلهم من حديث جابر بن عبد الله.
وصدره : «بعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعثا قبل الساحل ... وفي رواية : «ذكرنا ذلك للنبي صلىاللهعليهوسلم فقال : كلوا رزقا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم ، فأتاه بعضهم بعضو ، فأكله».
(٢) جيد. يشير المصنف لحديث أبي هريرة حيث أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣ / ٤٧٨ وأبو داود ٨٣ والترمذي ٦٩ والنسائي ١ / ٥٠ ، ١٧٦ و ٧ / ٢٠٧ وابن ماجه ٣٨٦ ، ٣٢٤٦ والدارمي ١ / ١٨٦ وابن الجارود ٤٣ والبغوي ٢٨١ والحاكم ١ / ١٤٠ وابن خزيمة ١١١ والبيهقي ١ / ٣ وابن حبان ١٢٤٣ ومالك ١ / ٢٢ والشافعي ١ / ١٩ وابن أبي شيبة ١ / ١٣١ وأحمد ٢ / ٢٣٧ ، ٣٦١ كلهم من حديث أبي هريرة.
ولفظه : «سأل رجل النبي صلىاللهعليهوسلم ، فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : هو الطهور ماؤه الحل ميتته».
صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
