نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعا ونفسا. (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم ، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء «الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر ، والسكينة في أهل الغنم» فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق ؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد ، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر ، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات ، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم.
ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال : (وَما أُهِلَ) والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم (بِهِ) أي رفع رافع الصوت بسببه ذابحا (لِغَيْرِ اللهِ) أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي : لأن ما لم يذكر عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ومالكه ، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذنا في الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها سبيلا من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم ، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر «قالوا : يا رسول الله! إن ناسا يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «سموا الله أنتم وكلوا» (١) فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه ، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله (بِهِ) تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى ، قال صلىاللهعليهوسلم : «ابدؤوا (٢) بما بدأ الله به» (٣) ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٠٥٧ ، ٥٥٠٧ وأبو داود ٢٨٢٩ وابن ماجه ٣١٧٤ كلهم من حديث عائشة.
(٢) صحيح. أخرجه مسلم ١٢١٨ وأبو داود ١٩٠٥ وابن ماجه ٣٠٧٤ والدارمي ٢ / ٤٤ ، ٤٩ وابن خزيمة ٢٦٠٣ وأبو يعلى ٢٠٢٧ والبيهقي ٥ / ٧ ، ٩ كلهم من حديث جابر مطوّلا في صفة حجة النبي صلىاللهعليهوسلم.
وفيه : «ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا قرأ (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ) ابدأ بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا ، فرقي عليه ...».
(٣) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني ٢٣ / ٧٤٩ وابن حبان ١٣٩١ وأبو يعلى ٦٩٦٦ وأحمد في الأشربة ١٥٩ والبيهقي ١٠ / ٥ وابن حزم ١ / ١٧٥ كلهم من حديث أم سلمة ومداره على حسان بن مخارق
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
