الاختلاف في الوجهين وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض وتخلل البحار فيها لتوصل المنافع المحمولة في الفلك مما يوصل من منافع المشرق للمغرب ومنافع المغرب للمشرق ومنافع الشمال للجنوب وبالعكس ، فما حملت جارية شيئا ينتفع به إلا قد تضمن ذكره مبهم كلمة (بِما) في قوله تعالى : (بِما يَنْفَعُ النَّاسَ) وذكرهم باسم الناس الذي هو أول من يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما أدنى ذلك في منافع الدنيا الذي هو شاهد هذا القول ـ انتهى.
ولما ذكر نفع البحر بالسفن ذكر من نفعه ما هو أعم من ذلك فقال : (وَما أَنْزَلَ اللهُ) الذي له العظمة التامة (مِنَ السَّماءِ) أي جهتها باجتذاب السحاب له. ولما كان النازل منها على أنواع وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف ذكر ما هو سبب الحياة فقال : (مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ) بما ينبت منها ولما كان الإحياء يستغرق الزمن المتعقب للموت نفى الجار فقال : (بَعْدَ مَوْتِها) بعدمه.
ولما ذكر حياة الأرض بالماء أشار إلى أن حياة كل ذي روح به فقال (وَبَثَ) من البث وهو تفرقة أحاد مستكثرة في جهات مختلفة (فِيها) بالخضب (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) من الدبيب وهو الحركة بالنفس قال الحرالي : أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف والإجراء فلم يسنده إلى اسم من أسمائه يظهره ، وأسند إنزال الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو الله لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده وقتا بعد وقت بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السماوات والأرض الدائم على حالة واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة واحتيال إجراء الفلك الماضي على حكم عادته ، فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم إليه في كل حول ليتوجهوا في العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء فينقلهم بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة من في السماء (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) [الملك : ١٦] وقال عليه الصلاة والسّلام للأمة : «أين الله؟ قالت : في السماء ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة» (١) فإذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء ترقيا إلى علو المستوى على العرش إلى غيب الموجود في أسرار القلوب ، فكان في هذه التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء وهو الله الذي لم يشرك به أحد سواه ليكون ذلك توطئة لتوحيد
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٥٣٧ وأبو داود. ٩٣٠ ، ٣٢٨٢ والنسائي من الكبرى ١١٤١ ، ٨٥٨٩ وفي الصغرى ٣ / ١٤ وابن الجارود ٢١٢ والطبراني ١٩ / (٩٣٨) والطيالسي ١١٠٥ والبيهقي في السنن ١٠ / ٥٧ وفي الأسماء والصفات ص ٤٢١ ومالك ٣٠ / ٥ ، ٦ وابن حبان ١٦٥ وابن أبي شيبة ١١ / ٩ ، ٢٠ وأحمد ٥ / ٤٤٧ ، ٤٤٨ كلهم من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
