أسلافهم بقوله مثبتا الجار لأن ذلك كان منهم في بعض الأزمان الماضية (مِنْ قَبْلُ) وفي صيغة المضارع تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال الفظيعة ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم ، لأن التقدير : وتصرّون على قتلهم من بعد ؛ وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي صلىاللهعليهوسلم تحذيرا منهم ، ولقد صدق هذا الإيماء الواقع ، فقد عزم بنو النضير على أن يلقوا عليه صخرة (١) ، وسمّه أهل خيبر (٢). ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك فقال (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إشعارا بأن مثل ذلك لا يصدر من متلبس بالإيمان.
ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى مما استحقوا به الخلود في النار أقام دليلا آخر أقوى من كل ما تقدمه ، فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك وهو في النسخ الموجودة بين أظهرهم الآن ، وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى وبحضرة هارون عليهماالسلام كما هو منصوص الآن فيما بين أيديهم منها فقال تعالى : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ) من الآيات.
ولما كان كفرهم مع ذلك في غاية الاستبعاد عبر عنه بأداته مصورا لزيادة قبحه بترتبه على أظهر البيان وموبخا لهم فقال : (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ) أي مع العلاج لفطركم الأولى وعقولكم السليمة (الْعِجْلَ) ونبه بالجار على أن الاتخاذ في بعض زمن البعد فقال : (مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد مفارقة موسى لكم إلى الطور كما في الآية الأخرى (فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) [طه : ٨٥] (وَأَنْتُمْ) أي والحال أنكم (ظالِمُونَ) أي لم تزعموا أنه إلهكم على جهل منكم بل بعد مجيء البينات إليكم أن إلهكم إنما هو الله الذي أنقذكم من
__________________
(١) قصة اتفاق بني النضير على طرح الصخرة على رسول الله صلىاللهعليهوسلم أوردها ابن هشام في السيرة ٢ / ١٤٢.
وأخرجها أبو نعيم في الدلائل كما في الدر ٢ / ٢٦٥ ، ٢٦٦ من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال : إن عمرو بن أمية الضمري حين انصرف من بئر معونة لقي رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقتلهما ، ولم يعلم أن معهما أمانا من رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذهب رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى بني النضير ، ومعه أبو بكر ، وعمر ، وعلي فتلقاه بنو النضير ، فقالوا : مرحبا يا أبا القاسم لما ذا جئت قال : رجل من أصحابي قتل رجلين من بني كلاب معهما أمان مني طلب مني ديتهما ، فأريد أن تعينوني قالوا : نعم أقعد حتى نجمع لك ، فقعد تحت الحصن وأبو بكر وعمر وعلي ، وقد تآمر بنو النضر أن يطرحوا عليه حجرا ، فجاء جبريل ، فأخبره بما هموا به ، فقام بمن معه ، وأنزل الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ....)
وأخرجها ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن المنذر كما في الدر المنثور ٢ / ٢٦٦ عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر.
(٢) هذه القصة تقدمت عند آية : (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً).
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
