بل كذلك يفضل الله العرب في زمان نبوتها على بني إسرائيل وعلى جميع الموجودين في زمانهم ، وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر النعمة بعد التذكير بباطن الفضيلة لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة عطفا على تهديد تقتضيه الأفهام بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا ؛ فكان مفهوم الخطاب : فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا ـ انتهى (وَاتَّقُوا). ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيما له وتنبيها على أن عقابه لا يدفع كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل فقال : (يَوْماً) هو من العظمة بحيث (لا تَجْزِي) أي تفضي وتغني فيه (نَفْسٌ) أي نفس كانت (عَنْ نَفْسٍ) كذلك (شَيْئاً) من الجزاء.
قال الحرالي : والنفس لكل امرىء لزمته نفاسة على غيره ، فهؤلاء الذين لا يغني بعضهم عن بعض بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه ، فإنه يغني عمن دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة ، وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [المائدة : ٥٤] فذل العبد ـ بالضم ـ لله ، وذله ـ بالكسر ـ لعباد الله بشرى فوزه ، وإعراضه عن ذكر الله وصعر خده للناس نذارة هلاكه ـ انتهى.
ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزىء موجودا وهو بحيث يخشى أن يسعى في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من أسره على إطلاقه ، وقد يحتال بالفعل في التوصل إلى فكه في خفية بسرقته أو فتح سجنه أو نحو ذلك ، وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة عطفها على الإجزاء الأعم منها فقال : (وَلا يُقْبَلُ مِنْها) أي النفس الأولى أو الثانية (شَفاعَةٌ) أي لم يؤذن فيها وهي من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه ليصير كالإمام له في وجهة حاجته ـ قاله الحرالي (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) تبذله غير الأعمال الصالحة ، وهو ما يعدل الشيء ويكون معه كالعدلين المتكافئي القدر على الحمولة ، فكأنّ العدل ـ بالكسر ـ في الشيء المحسوس ، والعدل ـ بالفتح ـ في الشيء المعقول ، وكذلك عادة العرب تفرق بين ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها ـ قاله الحرالي.
ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى جمع فقال : (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي يتجدد لهم نصر يوما ما بمن ينقذهم قهرا كائنا من كان ، والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومه وهما طرفان ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه ـ قاله الحرالي. فانتفى بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها الظالم في الدنيا.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
