الأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان بين السماء والأرض (يَغْشَى النَّاسَ) فقالوا (هذا عَذابٌ أَلِيمٌ) (١١) (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) (١٢) مصدقون نبيك ، قال تعالى : (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى) أي لا ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب (وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) (١٣) بين الرسالة (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ) أي يعلمه القرآن بشر (مَجْنُونٌ) (١٤) (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ) أي الجوع عنكم زمنا (قَلِيلاً) فكشف عنهم (إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (١٥) إلى كفركم فعادوا إليه ، اذكر (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى) هو يوم بدر (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) (١٦) منهم والبطش الاخذ بقوة (وَلَقَدْ فَتَنَّا) بلونا (قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ) معه (وَجاءَهُمْ رَسُولٌ) هو موسى
____________________________________
الأرض) أشار بذلك إلى أن حصول مطلوبه فيهم بالفعل. قوله : (كهيئة الدخان) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد حقيقة الدخان ، بل رأوا شيئا يشبهه من ضعف أبصارهم ، وهو قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد وابن مسعود ، فلما اشتد الأمر عليهم ، جاءه أبو سفيان فقال : يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع الله أن يكشف عنهم ، فدعا لهم بالمطر فنزل واستمر عليهم سبعة أيام ، حتى تضرروا من كثرته ، فجاء أبو سفيان وطلب منه أن يدعو برفعه ، فدعا فارتفع ، وقال ابن عمر وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن : إنه دخان حقيقة ، يظهر في العالم في آخر الزمان ، يكون علامة على قرب الساعة ، يملأ ما بين المشرق والمغرب ، وما بين السماء والأرض ، يمكث أربعين يوما وليلة ، وأما المؤمن فيصيبه كالزكام ، وأما الكافر فيصير كالسكران ، فيملأ جوفه ويخرج من منخريه وأذنيه ودبره ، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه للنار.
قوله : (يَغْشَى النَّاسَ) صفة ثانية للدخان ، والمراد بهم قريش وأمثالهم على ما قاله المفسر ، وعلى القول الآخر يكون المراد بالناس جميع الموجودين في ذلك الوقت من المؤمنين والكفار. قوله : (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) هذا وعد منهم بالإيمان وقد أخلفوه ، وليس المراد أنهم آمنوا حقيقة ثم ارتدوا. قوله : (أي لا ينفعهم الإيمان) إلخ ، الأوضح أن يقول : أي لا يوفون بما وعدوا من الإيمان عند كشف العذاب عنهم ، فهو استبعاد لإيمانهم. قوله : (وَقالُوا مُعَلَّمٌ) أي قالوا في حق النبي عليهالسلام تارة إنه يعلمه غلام أعجمي ، وقالوا تارة إنه مجنون ، وتقدم في سورة النحل في قوله : (إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) أن رجلا اسمه جبر ، وهو غلام عامر بن الحضرمي ، ورجلا اسمه يسار ، كانا يصنعان السيوف بمكة ، ويقرآن التوراة والإنجيل ، فكان النبي عليهالسلام يدخل عليهما ويسمع ما يقرآنه ، فقال الكفار (إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) فرد الله تعالى عليهم بقوله : (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ) الآية.
قوله : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ) جواب عن قوله : (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ). قوله : (قَلِيلاً) قيل إلى يوم بدر ، وقيل إلى ما بقي من أعمارهم. قوله : (فعادوا إليه) أي استمروا عليه ، لأنه لم يوجد منهم إيمان بالفعل. قوله : (اذكر) (يَوْمَ نَبْطِشُ) أشار بذلك إلى أن (يَوْمَ) منصوب بمحذوف ، ويصح أن يكون بدلا من (يَوْمَ تَأْتِي). قوله : (بلونا) أي امتحنا. والمعنى : فعلنا بهم فعل الممتحن ، بإقبال النعم عليهم منا ، ومقابلتهم لها بالكفر والطغيان. قوله : (قَبْلَهُمْ) أي قبل قريش. قوله : (معه) أشار بذلك دفعا لما يتوهم من ظاهر الآية ؛ أن الابتلاء لخصوص قوم فرعون ، فأجاب : بأن المراد هو وقومه.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
