(مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (٥) الرسل محمدا ومن قبله (رَحْمَةً) رأفة بالمرسل إليهم (مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لأقوالهم (الْعَلِيمُ) (٦) لأفعالهم (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) برفع رب خبر ثالث ، وبجره بدل من ربك (إِنْ كُنْتُمْ) يا أهل مكة (مُوقِنِينَ) (٧) بأنه تعالى رب السماوات والأرض ، فأيقنوا بأن محمدا رسوله (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) (٨) (بَلْ هُمْ فِي شَكٍ) من البعث (يَلْعَبُونَ) (٩) استهزاء بك يا محمد ، فقال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، قال تعالى : (فَارْتَقِبْ) لهم (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) (١٠) فأجدبت
____________________________________
أنزلناه لأمر الخلق أي شأنهم ، بمعنى أن فيه مصالح دينهم ودنياهم. قال تعالى : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ). قوله : (مِنْ عِنْدِنا) صفة لأمرا. قوله : (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) جملة مستأنفة قصد بها بيان حكمة الإنزال في ليلة مباركة وكونه آمرا.
قوله : (رَحْمَةً) مفعول لأجله ، والعامل فيه : إما (أَنْزَلْناهُ) وإما (أَمْراً) وإما (مُنْذِرِينَ) وإما (يُفْرَقُ) وإما (مُرْسِلِينَ) وهو الأقرب ، ويصح أن يكون منصوبا بفعل محذوف ، أي رحمناهم رحمة ، ويصح أن يكون حالا من ضمير (مُرْسِلِينَ) أي ذوي رحمة ، ويصح أن يكون بدلا من (أَمْراً). قوله : (مِنْ رَبِّكَ) متعلق برحمة ، وفيه التفات من التكلم للغيبة ، لمزيد الإرهاب والترغيب ، فالإرهاب للكفار ، والترغيب للمؤمنين. قوله : (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) تعليل لما قبله ، وإن حرف توكيد ونصب ، والهاء اسمها ، وهو ضمير فصل ، و (السَّمِيعُ) خبر أول ، و (الْعَلِيمُ) خبر ثان ، وقوله : (رَبِ) خبر ثالث كما قال المفسر ، ففيه إشارة لهذا الإعراب. قوله : (فأيقنوا) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف ، والجملة الشرطية معترضة بين الأخبار ، فإن قوله : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) خبر رابع. قوله : (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ) بالرفع في قراءة العامة ، على أنه بدل أو بيان أو نعت لرب السماوات والأرض فيمن رفعه ، وقرىء شذوذا بالجر والنصب ، فالأول على أنه نعت لرب السماوات في قراءة من جره ؛ والثاني على المدح.
قوله : (بَلْ هُمْ فِي شَكٍ) إضراب عن محذوف ، والمعنى : فليسوا موقنين (بَلْ هُمْ فِي شَكٍ) وقوله : (يَلْعَبُونَ) حال ، أي حال كونهم يلعبون بظواهرهم ، من الأقوال والأفعال ، والمراد بلعبهم انهماكهم في الفاني واعراضهم عن الباقي ، قال تعالى (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ). قوله : (فقال اللهم أعني عليهم بسبع) أي سنين ، هذا مفرغ على محذوف ، أشار له المفسر بقوله : (استهزاء) أي فلما استهزؤوا به وكثر عنادهم ، دعا عليهم بقوله : (اللهم أعني عليهم) أي على هداهم ، وفي الحقيقة هو دعاء لهم ، لأن من شأن النفوس ، أنها إذا شبعت وكثر عليها الخير ، تكبرت وطغت وبغت ، فإذا جاعت واشتد بها الألم ، ذلت وصغرت ورجعت للحق ، لما ورد : أن الله تعالى لما خلق النفس قال لها : من أنا؟ قالت له : أنت أنت ، وأنا أنا ، فألقاها في بحر الجوع ، فذلت وقالت أنت الله لا إله غيرك ، ومن هنا كانت تربية العارفين نفوسهم بالجوع. قوله : (قال تعالى) أي إجابة لدعوته ، واختلف هل حصل ذلك والنبي صلىاللهعليهوسلم في مكة ، أو بعد هجرته إلى المدينة ، وهو الراجح.
قوله : (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ) مفعول به ، وعامله (فَارْتَقِبْ). قوله : (بِدُخانٍ) الدخان بوزن غراب وجبل ورمان الغبار ، والجمع أدخنه ودواخن ودواخين ، والتلاوة بوزن غراب. قوله : (فأجدبت
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
