من شعبان ، نزل فيها من أم الكتاب من السماء السابعة إلى السماء الدنيا (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (٣) مخوّفين به (فِيها) أي في ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان (يُفْرَقُ) يفصل (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (٤) محكم من الأرزاق والآجال وغيرهما التي تكون في السنة إلى مثل تلك الليلة (أَمْراً) فرقا
____________________________________
هنا : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) يجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان ، فثبت أنها ليلة القدر ، ومنها قوله تعالى في صفة ليلة القدر : (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) وقال هنا (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وقال هنا : (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) وقال في ليلة القدر : (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) وإذا تقاربت الأوصاف ، وجب القول بأن احدى الليلتين هي الأخرى ، وهذه أدلة ظاهرة واضحة على أنها ليلة القدر وهو المعتمد ، وسميت ليلة القدر ، لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره ، إلى مثلها من السنة القابلة ، من أمر الموت والأجل والرزق ، ويسلم ذلك إلى مدبرات الأمور وهم : اسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبريل عليهمالسلام ، وقيل : يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ ، من ليلة نصف من شعبان ، ويقع الفراغ في لية القدر ، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ، ونسخة الحروب إلى جبريل ، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ، ونسخة الأعمال إلى اسماعيل صاحب سماء الدنيا ، وهو ملك عظيم ، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. قوله : (أو ليلة النصف من شعبان) هو قول عكرمة وطائفة ، ووجه بأمور منها أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء : الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الرحمة ، وليلة الصك. ومنها فضل العبادة فيها لما ورد : من صلى فيها مائة ركعة ، أرسل الله تعالى إليه مائة ملك ، ثلاثون يبشرونه بالجنة ، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار ، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا ، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان ، ومنها نزول الرحمة فيها لما في الحديث : «إن الله يرحم أمتي هذه الليلة ، بعدد شعر أغنام بني كلب». ومنها حصول المغفرة فيها لما في الحديث : «إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة ، إلا الكاهن ، والساحر ، ومدمن الخمر ، وعاق والديه ، والمصر على الزنا». ومنها أن الله تعالى أعطى رسول في تلك الليلة تمام الشفاعة في أمته ، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين ، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع ، إلا من شرد عن الله شرود البعير. قوله : (نزل فيها) أي جملة ، ومعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، أن جبريل أملاه منه على ملائكة سماء الدنيا ، فكتبوه في صحف وكانت عندهم في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة ، ثم نجمته الملائكة المذكورون على جبريل في عشرين سنة ، ينزل بها على النبي صلىاللهعليهوسلم بحسب الوقائع والحوادث. قوله : (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) المراد من كان الاستمرار والدوام ، أي شأننا وعادتنا الإنذار والتخويف ، وهذه الجملة علة للإنزال ، وكونه في ليل مباركة. والمعنى : إنما أنزلناه في ليلة مباركة ، لأن شأننا الإنذار ، وهذا القرآن عظيم أنزل في ليلة مباركة ، شأنه أن يخاف منه.
قوله : (فِيها يُفْرَقُ) هذه الجملة إما مستأنفة أو صفة لليلة ، وما بينهما اعتراض. قوله : (يفصل) أي يبين ويظهر للملائكة الموكلين بالتصرف. قوله : (محكم) أي مبرم لا تغيير فيه ولا تبديل. قوله : (فرقا) أشار بذلك إلى أن (أَمْراً) منصوب على المصدرية بفعل ملاق له في المعنى : كقمت وقوفا ، وجلست قعودا ، ويصح أن يكون حالا من فاعل (أَنْزَلْناهُ) والتقدير أنزلناه حال كوننا آمرين ، أو من مفعوله والتقدير أنزلناه حال كونه مأمورا به ، ويصح أن يكون مفعولا لأجله وعامله أنزلناه ، والتقدير
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
