السَّمِيعُ) لما يقال (الْبَصِيرُ) (١١) لما يفعل (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما (يَبْسُطُ الرِّزْقَ) يوسعه (لِمَنْ يَشاءُ) امتحانا (وَيَقْدِرُ) يضيقه لمن يشاء ابتلاء (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٢) (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً) هو أول أنبياء الشريعة (وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا
____________________________________
فكان مقتضى الظاهر أن يقال : يذرؤكم ويذرؤها. قوله : (الكاف زائدة) أي للتأكيد ، وهذا أحد أجوبة عن سؤال مقدر ، وهو أن ظاهر الآية يوهم ثبوت المثل له تعالى وهو محال ، لأنه يصير التقدير : ليس مثل مثله شيء ، فنفى المماثلة عن مثله ، فثبت أن له مثلا ، ولا مثل له ، وأيضا يلزم عليه التناقض ، لأنه إذا كان له مثل ، فلمثله مثل ، وهو هو ، مع أن إثبات المثل له تعالى محال ، فأجاب المفسر بأن الكاف زائدة ، والتقدير : ليس مثله شيء ، وهذا الجواب أسهل الأجوبة في هذا المقام. وأجيب أيضا : بأن مثل زائدة ، ورد بأن زيادة الأسماء غير جائزة أيضا ، يلزم عليه دخول الكاف على الضمير ، وهو لا يجوز إلا في الشعر. وأجيب أيضا : بأن المثل بمعنى الصفة ، وحينئذ فالتقدير ليس مثل صفته شيء. وأجيب أيضا : بأن الكاف أصلية ، والكلام من قبيل الكناية كقولهم : مثلك لا يبخل ، وليس لأخي زيد أخ ، ففي المماثلة عن المثل مبالغة في نفيها عنه ، لأن العرب تقيم المثل مقام النفس.
قوله : (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) جمع مقلاد ، أو مقليد ، أو أقليد. قوله : (من المطر) إلخ ، بيان للخزائن ، وقوله : (وغيرهما) أي كالجواهر المستخرجة من الأرض. قوله : (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تعليل ما قبله. قوله : (شَرَعَ لَكُمْ) الخطاب لأمة محمد صلىاللهعليهوسلم ، والمعنى بين لكم وجعل لكم دينا قويا واضحا ، تطابقت على صحته الأنبياء والرسل من قبل ، وهو تفصيل لما أجمل أولا في قوله : (كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ).
قوله : (ما وَصَّى بِهِ نُوحاً) إلخ ، خص هؤلاء بالذكر ، لأنهم أكابر الأنبياء ، وأولي العزم وأصحاب الشرائع المعظمة المستقلة المتجددة ، فكان كل من هؤلاء الرسل له شرع جديد ، وأما من عداهم من الرسل ، إنما كان يبعث بتبليغ شرع ما قبله ، فمن بين نوح وإبراهيم ، وهما هود وصالح ، بعثا بتبليغ شرع نوح ، ومن بين إبراهيم وموسى ، بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم ، وكذا من بين موسى وعيسى ، بعثوا بتبليغ شرع موسى ، وإنما يذكر من قبلهم ، لأنه لم يكن قبل نوح أحكام مشروعة ، لأن آدم كان شرعه التوحيد ، ومصالح المعاش ، واستمر ذلك الأمر إلى نوح ، فبعثه الله تعالى بتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، ووظف عليه الواجبات ، وأوضح له الآداب والديانات ، ولم يزل ذلك الأمر يتأكد بالرسل ، ويتناصر بالأنبياء ، واحدا بعد واحد وشريعة إثر شريعة ، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا ، على لسان أكرم الرسل نبينا صلىاللهعليهوسلم ، فتبين بهذا أن شرعنا معشر الأمة المحمدية ، قد جمع جميع الشرائع المتقدمة. قوله : (هو أول أنبياء الشريعة) أي فهذا حكمة بدئه بنوح ، وأيضا لتقدمه في الزمان.
قوله : (وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) أتى بالاسم الموصول الذي هو أصل الموصولات ، وعبر في جانبه صلىاللهعليهوسلم بالإيحاء ، تعظيما لشأنه ، وردا على المشركين المنكرين بعثته صلىاللهعليهوسلم حيث قالوا : لست مرسلا. قوله : (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) الأوضح أن (أَنْ) تفسيرية بمعنى أي ، ويصح أن تكون مصدرية ، إما في محل رفع خبر
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
