قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك (فَنادى فِي الظُّلُماتِ) ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت (أَنْ) أي بأن (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٨٧) في ذهابي من بين قومي بلا إذن (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِ) بتلك الكلمات (وَكَذلِكَ) كما نجيناه (نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين (وَ) اذكر (زَكَرِيَّا) ويبدل منه (إِذْ نادى رَبَّهُ) بقوله (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً) أي بلا ولد يرثني (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) (٨٩) الباقي بعد فناء خلقك (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) نداءه (وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى) ولدا (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) فأتت بالولد بعد عقمها (إِنَّهُمْ) أي من ذكر من الأنبياء (كانُوا يُسارِعُونَ) يبادرون (فِي الْخَيْراتِ) الطاعات (وَيَدْعُونَنا رَغَباً) في رحمتنا (وَرَهَباً) من عذابنا (وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) (٩٠) متواضعين في عبادتهم (وَ) اذكر مريم (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) حفظته من أن ينال (فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) أي جبريل حيث نفخ في جيب درعها فحملت بعيسى (وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) (٩١) الإنس والجن والملائكة حيث ولدته من غير فحل (إِنَّ هذِهِ) أي ملة الإسلام (أُمَّتُكُمْ) دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها (أُمَّةً واحِدَةً) حال لازمة (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (٩٢)
____________________________________
جدا ، لاشتماله على التهليل والتسبيح والإقرار بالذنب ، ولذا ورد في الحديث «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له».
قوله : (وَزَكَرِيَّا) معمول لمحذوف قدره بقوله : (اذكر). قوله : (أي بلا ولد يرثني) أي في العلم والنبوة. قوله : (بعد عقمها) المراد به انسداد الرحم عن الولادة. قوله : (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ) علة لمحذوف ، أي قالوا ما قالوا لأنهم الخ. قوله : (رَغَباً وَرَهَباً) إما منصوبان على المفعول من أجله ، أو على أنهما واقعان موقع الحال ، أي راغبين راهبين.
قوله : (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) صفة لموصوف محذوف معمول لمحذوف قدر ذلك المفسر بقوله : (واذكر مريم). قوله : (من أن ينال) أي يصل إليه أحد بحلال أو حرام. إن قلت : المزية ظاهرة في حفظه من الحرام ، وأما الحلال فكيف تمدح على التعفف عنه؟ أجيب بأن الترهيب كان مشروعا لهم ، أو لتكون ولادتها خارقة للعادة. قوله : (حيث نفخ في جيب درعها) أي أمرناه ففعل ذلك ، أو المراد نفخنا فيها بعض الأرواح المخلوقة لنا ، وهي روح عيسى. قوله : (آيَةً لِلْعالَمِينَ) لم يقل آيتين ، لأن كلا من مريم وابنها بانضمامه للآخر صار آية واحدة ، أو فيه الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
قوله : (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ) أشار المفسر إلى أن اسم الإشارة يعود على (ملة الإسلام) والأمة في الأصل الجماعة ، ثم أطلقت على الملة لأنها تستلزم الاجتماع. والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم لا اختلاف فيها من لدن آدم إلى محمد ، فلا تغيير ولا تبديل في أصول الدين ، وإنما التغاير في الفروع ، فمن غير وبدل في الملة ، فهو خارج عنها ضال مضل. وحكمة ذكر هذه الآية عقب القصص ، دفع ما يتوهم أن
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
