(قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) بتزوج (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) (٢٠) زانية (قالَ) الأمر (كَذلِكِ) من خلق غلام منك من غير أب (قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ، ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) على قدرتنا (وَرَحْمَةً مِنَّا) لمن آمن به (وَكانَ) خلقه (أَمْراً مَقْضِيًّا) (٢١) به في علمي ، فنفخ جبريل في جيب درعها فأحست بالحمل في بطنها مصورا (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ) تنحت (بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) (٢٢) بعيدا من أهلها (فَأَجاءَهَا) جاء بها (الْمَخاضُ) وجع الولادة (إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) لتعتمد عليه فولدت ، والحمل والتصوير والولادة في ساعة (قالَتْ يا) للتنبيه (لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا) الأمر
____________________________________
قوله : (بتزوج) دفع به ما يقال إن قولها (لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) يدخل تحته (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) فأجاب : بأن المس عبارة عن النكاح في الحلال ، والزنا ليس كذلك ، بل يقال فجر بها وما أشبه. قوله : (بَغِيًّا) لم يقل بغية لأن بغيا غالب في النساء ، فأجروه إجراء حائض وطامث وعاقر ، أو يقال إن أصله بغويا بوزن فعول ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت في الياء ، وكسرت الغين لتصح الياء ، وحيث كان بزنة فعول فلا تلحقه التاء ، كما قال ابن مالك :
|
ولا تلي فارقة فعولا |
|
أصلا ولا المفعال والمفعيلا |
وهذا ليس استبعادا منها لقدرة الله ، وإنما هو تعجب من مخالفة العادة. قوله : (الأمر) قدره إشارة إلى أن كذلك خبر لمحذوف. قوله : (قالَ رَبُّكِ) بمنزلة العلة كأنه قيل : الأمر كذلك لأنه علينا هين ولنجعله الخ. قوله : (على قدرتنا) أي كمال قدرتنا على أنواع الخلق ، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. قوله : (أَمْراً مَقْضِيًّا) أي لا يتغير ولا يتبدل. قوله : (فنفخ جبريل) أي نفخة وصلت إلى فرجها ودخلت منه جوفها ، وليس المراد أنه نفخ في فرجها مباشرة. قوله : (درعها) أي قميصها. قوله : (مَكاناً قَصِيًّا) أي بعيدا من أهلها ، وهو بيت لحم ، فرارا من تعيير قومها بولادتها من غير زوج.
قوله : (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ) أي ألجأها. قوله : (لتعتمد عليه) أي فاعتمدت عليه ، وقيل حضنته وكان يابسا فاخضر وأثمر لوقته. قوله : (فولدت) أي ببيت لحم ، فخافت عليه ، فجاءت به إلى بيت المقدس ، فوضعته على صخرة ، فانخفضت الصخرة له وصارت كالمهد ، وهي الآن موجودة تزار بحرم بيت المقدس ، ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فغمسته فيه ، وهو اليوم الذي يتخذه النصارى عيدا ويسمونه يوم الغطاس ، وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست ، فلذلك يغطسون في كل ماء. قوله : (في ساعة) هو الصحيح ، وقيل حملته في ساعة ، وصور في ساعة ، ووضعته في ساعة ، وقيل كانت مدة حملها تسعة أشهر ، وقيل ثمانية أشهر ، وقيل ستة أشهر ، وسنها إذ ذاك عشر سنين ، وقيل ثلاث عشرة سنة ، وقيل ست عشرة سنة. قوله : (لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا) إنما تمنت الموت لئلا تقع المصيبة بمن تتكلم في
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
