ولادته بسنتين ، قال تعالى له (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ) أي التوراة (بِقُوَّةٍ) بجد (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ) النبوة (صَبِيًّا) (١٢) ابن ثلاث سنين (وَحَناناً) رحمة للناس (مِنْ لَدُنَّا) من عندنا (وَزَكاةً) صدقة عليهم (وَكانَ تَقِيًّا) (١٣) روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) أي محسنا إليهما (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً) متكبرا (عَصِيًّا) (١٤) عاصيا لربه (وَسَلامٌ) منا (عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (١٥) أي في هذه الأيام المخوفة التي يرى فيها ما لم يره قبلها فهو آمن فيها
____________________________________
مرتب على محذوف. قوله : (قال تعالى له) أي على لسان الملك. قوله : (خُذِ الْكِتابَ) أي اعمل بأحكامه ، وليس المراد اشتغل بحفظه في المكتب مثلا ، لأن الله ألقاه على قلبه بمجرد قوله : (خُذِ الْكِتابَ). قوله : (بِقُوَّةٍ) أي بجد واجتهاد ، وإنما أمر بذلك ، لأن كلام الله عظيم جليل القدر ، فيحتاج للاهتمام به والاجتهاد فيه ، ومن هنا ينبغي لطالب العلم الجد والاجتهاد فيه ، ولا يتراخى في طلبه ، فإنك إن أعطيت العلم كلك ، أعطاك بعضه ، وإن أعطيته بعضك ، لم يعطك شيئا منه ، ولذا قال الإمام الشافعي رضي الله عنه :
|
أخي لن تنال العلم إلّا بستة |
|
سأنبيك عنها مخبرا ببيان |
|
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة |
|
نصيحة أستاذ وطول زمان |
ولم يأمر الله سيدنا محمدا بتلقي ما أوحى بقوة ، لأن الله أعطاه عزما وقوة عظيمة ، فلم يحتج للأمر ، بل قيل له (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا). قوله : (ابن ثلاث سنين) أي فأحكم الله عقله وقوى فهمه ، وقولهم النبوة على رأس الأربعين ، محله في غير يحيى وعيسى على ما يأتي ، وقيل المراد بالحكم فهم التوراة وقراءتها ، وأما النبوة فتأخرت للأربعين كغيره. قوله : (حَناناً) أي رحمة ورقة في قلبه ، وتعطفا على الناس. قوله : (صدقة عليهم) أي توفيقا للتصدق ، وقيل المراد بالزكاة طهارته من الأوساخ ، أو طهارة من اتبعه ، أو المراد أن الله تصدق به على والديه. قوله : (وَكانَ تَقِيًّا) أي مجبولا على التقوى ، ومن جملة تقواه ، أنه كان يتقوت بالعشب ، وكان كثير البكاء ، فكان لدمعه مجار على خده. قوله : (ولم يهم بها) أي لم تخطر بباله ، ولا خصوصية له بذلك ، بل جميع الأنبياء كذلك. قوله : (عاصيا لربه) أشار بذلك إلى أن المبالغة ليست مرادة ، بل المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه.
قوله : (وَسَلامٌ عَلَيْهِ) أي أمان له من المخاوف ونكرهنا ، وعرف في قصة عيسى ، لأن ما هنا حاصل من الله ، والقليل منه كثير ، وما ذكر في قصة عيسى أل فيه للعهد أي السّلام المعهود ، وهو الكائن من الله. قوله : (يَوْمَ وُلِدَ) أي من أن يناله الشيطان بمكروه. قوله : (وَيَوْمَ يَمُوتُ) أي من عذاب القبر. قوله : (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) أي من هول الموقف ، ولا ينافي هذا ما ورد أن الأنبياء يوم القيامة يجثون على الركب ويقولون : رب سلم سلم ، لأن جلال الله محيط بهم ، فهم خائفون من هيبته وجلاله ، لا من عذابه وعقابه ، لصدق وعد الله في تأمينهم ، فلا يخلف وعده. بقي شيء آخر وهو أنه ورد أن يحيى قتل في حياة والده ، فكيف ذلك مع طلبه ولدا يرثه ، وإجابة الله له بقوله : (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ). أجيب : بأن هذه الرواية ضعيفة ، والحق أنه عاش بعد أبيه الزمن الطويل ، وحينئذ فقد سقط السؤال والجواب.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
